معاً نحمي العراق

محمد الراشد

·         أليس التفكير بصوتٍ عالٍ وصيةُ كلِّ حكيم؟

·         حاجة الدعوة إلى"سُكّر زيادة"

·         التودّد يمنع التنهّد

·         طموح الأنفس القانعة: يُحرك الحياة القابعة

·         لبسُ السَمَل…يُقرّبُ الأمل

·         المنهجية والشخصية الجماعية تقودان الثقات

·         وكلُّ أمرٍ إذا ما ضاقَ…يتسعُ

أليس التفكير بصوتٍ عالٍ وصيةُ كلِّ حكيم؟      

أوَ ليسَ الهمسُ؛ في ركنٍ؛ وعلى انزواء: يكشف المغزى، ويوضح الحل؟ ثمَّ صياح المكلوم، واستنجاد المصدوم: فيهما تشجيع أصحاب الكفاية على أنْ يقطعوا استرسالهم مع الراحة، فيشمروا عن السواعد، وتكون منهم تلبية ونزول إلى الساحة ويبذلوا النجدات ويحاولوا إبراد الحروق؟!

فتأسيساً على هذه الحقائق يليقُ لنا أنْ نتبادل الرؤى سويعةً لنفحصَ محيطنا، ونحدد الواجب على كلٍّ منا، لنخطو خطوات منهجية كما يريدها دعاة التخطيط، بعيدةً عن الارتجال.

وتحليلُ أنماط"حركة الحياة"ينفعُ كثيراً في تسهيل الوصول إلى اكتشاف هذه المنهجية في العمل الإصلاحي وإجابة المستنجد، وإذا عرفنا أجزاء من سلوك النفس وآثار الأخلاق وطبائع ردود الأفعال فإنَّ الحل يوشك أنْ يتم وضوحه.

ومع أول هذه الطريقة التحليلية تنتصب أمامنا ملاحظة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين يقول:(لا يقلُّ مع الإصلاح شيء، ولا يبقى مع الفساد شيء)، وهذا قانونٌ مطرد هو في القضايا الشخصية صحيح، ثمَّ هو في سياسة المجتمع والدولة أصح، لأنَّ الإصلاح ترسخهُ النية الصالحة التي تسبقهُ ثمَّ تقترن بهِ، وتزيدهُ ثباتاً عناصر التوافق مع الفطرة والتلاؤم مع المقاييس التي خلق الله الكون عليها، تبعاً لاعتمادهِ على الأحكام الشرعية، لذلك يؤذن لهُ أنْ يستمر، وأنْ يكثر، وأنْ يبقى أساساً لإضافة في البناء تأتي فوقهُ، لكنَّ الفساد يستلزم معاكسةً وشذوذاً عن قانون الخلائقِ وإزعاجاً للأنفس الساكنة، فهو بذلك قريبُ الزوال.

والفحص الواقعي يرينا صدق هذه الظاهرة في جميع حِقب التاريخ، ومن هو شيخٌ منا اليوم أسرع إدراكاً لصدقها في أكثر زوايا العالم الإسلامي، فحين عاش الشيخُ منا أيام شبابهِ قبل نصف قرن كانت تحيطهُ أحزابٌ غوغائية؛ وتوجهاتٌ هدمية، أصدق أوصافها أنها جزء من الفساد، لكن الأيام أذابتها، وتعيش فلولها مع مجرد الذكريات اليوم، ولكنَّ إصلاحاً إيمانياً ضامراً برز في ذاك الزمن كطارئ وليدٍ ضعيف: نما، وبارك الله فيه، واستقبله أصحاب القلوب السليمة بترحاب، فإذا هو به اليوم تيار إصلاحي عريض، هو أمل الأمة إذا فتشَ صالحوها عن منابع الآمال، وساحة العراق تتجلى فيها هذه الظاهرة لمن يُراقب، وهي اليوم قد كثرتْ فيها التوترات والآلام إلا أنَّ جميع مؤشرات التطور السياسي والاجتماعي العراقي تشير إلى أنَّ العراق يعيشُ المشهد الأخير لانتفاضاتِ الفساد والاعوجاج قبل أنْ يستسلم لعصبة الإصلاح التي تراكمت إيجابياتها وأصبحت على مشارفِ الوصولِ إلى عهدٍ يتعاملُ فيه الناسُ وفق قواعد الإيمان.

وقد سُئلَ بعض الأذكياء عن العقل فقال:(معرفةُ ما لم يكن بما كان)، وقال أبو حازم-الزاهد التابعي-:(العقل: التجارب)...

وهذا الذي نقولهُ-أو ما سنقولهُ-كلهُ يستند إلى هذه التجارب الجماعية، وبمثل هذا القياس في استنباط ما سيكون عبر المقارنةِ بما كان: اطمأنت قلوبنا إلى وجود تلك الآمال، وغذتنا خلال المسيرة عقوداً، ثمَّ ملأت قلوبنا اليوم ثقةً نرى فيها مستقبل العراق وضيئاً مُنيراً مع استمرار استيلاء بقية الظلام، مستدلين بأنها أواخرهُ.

ومثل هذه الرؤية المستبشرة لو تركناها لِتَناجي العاطلين الفرديين الذين يتجمهرون معاً لترويج اليأس لكانت قد استحالت إلى حُزنٍ وقنوط، ولكنَّ مماشاة علماء الشرع وقادة الدعوة الإسلامية أكسبتنا هذا الانشراح، ومنحتنا هذا التفاؤل، بما عرفوا من موازين الشرع وحكايات القرآن عن الأمم السالفة، فوضح لهم أنَّ بعدَ عسرٍ يُسراً، وأنَّ بعدَ كل فوضوية رجوع إلى المنهجية، وحالُنا هو حال قبيلةٍ عرفَ الناسُ عنها الصواب والعزائم والإصلاح، فسألهم السائل عنْ سرِ ذلك فقال:(نحنُ ألفٌ، وفينا واحدٌ حازم، ونحنُ نشاورهُ ونطيعهُ... فصرنا ألفَ حازم).

فحاضر العراق السياسي والفكري يظهر بوضوح وجود جيل مخضرم مُجرب، قولهُ هو القول العتيق، ونظرهُ يمزج بين دلائل الفقه ومفاد التاريخ، فكانَ لهُ من ذلك سببُ يقينٍ بأنَّ الحلَ الإسلامي هو الحل الوحيد لكلِّ مشاكل الحياة، وطفق يؤذن في الناس ويصدع فاستجابت لهُ أجيال الصاعدين من شباب الصحوة الإسلامية، وبذلك تطوَّر المخضرم الواعي إلى ألفٍ، ولأنَّ المخضرمين القادة ألفٌ: صارت كتلة الوعاةِ تُقاسُ بالمليون لا بالآلاف، وأصبحت طريقة الاستبشار هي طريقة العمل الصحيح، وبموجبها تسلك الدعوة الإسلامية العراقية اليوم مسالكها، واتخذها"الحزب الإسلامي العراقي"لهُ ديدناً وميثاقاً وقانوناً، يريد أنْ يعطي شعب العراق أدبارهم للعبوس والغموض والتعكير والتربص وأسواء الظنون، فاتحاً بذلك أبواب التصافح والإخاء والبناء والرفل بسكينة القلوب، والحزمُ الذي جعلتهُ الشورى عنوان قبيلة خيرية هو نفسه يتوالد لتتفرعَ منه عناصر الوعي والتخطيط والانتظام والتسامح والوسطية والواقعية، لتكون القبيلة الدعوية عبرَ الشورى والتربية كتلةً واسعة ضخمة في المجتمع تتمثل فيها جميع هذه الخيريات والإيجابيات، ثمَّ لتحتل بشجاعة مكان الريادة والقيادة والإمامة في الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، كابتةً وبشدة الصيحات النشاز وكلَّ حنجرةٍ لها حشرجةٌ وأنفٍ لهُ شخير، وتكاد الدعوة أنْ تكسب نصف معركتها من خلال هذا الانحياز الشجاع للحلم والحوار وتغليب البشائر، تاركةً من اختار التشاؤم ينعزل وتستهلكهُ توتراته، وتلك هي أجلى صور الملاحظة العُمَرية الفاروقية حين بذل لنا التهاني بكثرة الإصلاح وإنْ قلّ، وزوال الفساد وإنْ مدّ لهُ جذراً، والتي تكثف فيها المغزى عبر التحليل وصار نمط البداية النفسية في العملية السياسية هو المؤشر على نهايتها ضموراً أو نجاحاً.

حاجة الدعوة إلى"سُكّر زيادة"

والحوار بين الدعاة حول حاضر الدعوة ومستقبلها: هو دوماً من الضرورات، وأقل منازله أنهُ عرف صحيح بين صالح المؤمنين، وحين تتصادم الرؤى المتعاكسة في الأنفس الدعوية وتكاد تحشرج الأرواح أمام ضغط التحديات واختلاف المذاهب الخططية وتنوع الأذواق القيادية: تكون مباحث فقه الدعوة وهمسات تناجي الخير المخرج الأوسع، ومورد السكينة، وسبب الطمأنينة، وهو ما كان صاحب الشأن يفعله ويقول:

وأبثـثتُ عَمراً بعضَ مــــا في جــوانحي                   وجـرّعــــــــته من مُرّ مــــا أتجرعُ

ولا بدَّ من شكوى إلى ذي حـــفيظةٍ                   إذا جَعَـــــلتْ أسرار نفسٍ تطلعُ

وهي لبشار، يروي شأنه المنحرف، والسوي المستقيم أولى بهذا المنحى منه، فمن زوايا هذا التجرع المرّ يكون الإبداع وتستبين الحلول، ومن ثنايا قنوات أسرار النفس إذ هي تعلو صُعداً: تتكامل قواعد التعامل مع الموقف، فأول المتناجين يقترح سلوكاً، فيضع الثاني شرطاً، فيعود الأول يذكر مقدمة تمهد، وينتبه لمعنى ملازم قرين، ويكتشف الآخر ضرورة خطوة تالية لاحقة، فيكون التصرف نسقاً تاماً.

هكذا تتحرك الدعوة بحركة عقول حملتها، ولن يأبه أهل الجد خلال ذلك لفضولي يجنح بالتناجي الإبداعي إلى زاوية يريد فيها أن يوسوس بتخذيل سلبي، والطرائق الإيجابية هي أعمر دوماً، وأصدق، وأنفذ، والنفوس السوية غالبة أبداً.

وما مال صاحب المنظار الأسود إلى مواقف الأحزان واللبث مع هفوةٍ هفاها داعيةٌ  بحكم بشريته إلا ونحتت السوداوية من همته واتزانهِ وأخلاقه، ويستمر النحتُ حتى يصيرَ عاطلاً، ولربما انعكس حالهُ على أهلهِ وعيالهِ فيكون بينهم مكروهاً، ويظل يفتاتُ على حقوق نفسه وفطرته الزكية إلى درجة تغزوه فيه الوساوس فينتابه القلق والتوزع وتهبط معنويتهُ، فيكون أقل من أنْ يجد له محلاً في المجموعة الإصلاحية، بل وقد يستروح آنذاك لمقولاتٍ تثبيطية تُسرع إلى لسانهِ فتكون العقوبة لهُ مزيداً من الشكوك ومعيشةً على هامش الحياة، لا ينفع صديقاً ولا ينكأ عدواً.

لكن بإزائهِ عادل أطربت قلبَهُ نسائم الثقة فصارَ عضيداً للمصلح يشجعهُ ويسندُ ظهره، ويخلف المجاهد في أهلهِ، ويفخر بكلمةٍ طيبةٍ يفوهُ بها شابٌ جديدٌ فينميها وُيربيها ويضيف لها قصةً تجريبية ويجعلها موعظةً رائجة.

ومثل هذا الواثق المبتسم في وجه الصاعدين هو المؤهل لأن ينكر على القادة، وهو الذي يعنيهِ إمام السُنة المُبجل أحمد بن حنبل حين قال:(لا نزالُ بخيرٍ ما كان في الناس من ينكر علينا)، فالمنهجية التربوية الإيمانية ترحب بنزعة التدقيق في أوساط الدعاة والفقهاء، وتجعل ذلك علامة خير إيجابية، وأما حرص الشيخ والقائد على أنْ يكون من الصاعد الاستسلام فحريٌ أنْ يصنف في السلبيات وأنْ يُسمى: الطريق المسدود،  وليس أحدٌ من رجال الدعوة يستطيع احتكار الصواب، وإنكار الخطأ واجب، ولكن ينبغي أنْ ينظر الناظر مثل بيئة أحمد ومن كانَ فيها من الأطهار والشجعان وأصحاب الدين المتين الذين كان يرجو من أحدهم أنْ ينصحهُ ويُصوبهُ إذا بدرت فلته، وقد قالها رحمه الله تأسيساً لمبدأ وإقراراً بحق يخاطب بها إقراناً رباهم الإيمان، لذلك لم يتعرض لقول يؤذيه أو إنكار انتظره، لوفور ما ذكرناه من أخلاق البشارة، وبذلك صار الطريق مقفلاً أمام ناقد معاصر يأخذ الحق لنفسهِ بموجب هذا التخويل ثمَّ يبرأ من مستلزمات المروءةِ التي تحلى بها جيل أحمد، وآية ذلك أنَّ هذا النمط صار مفهوماً عاماً عند الأجيال القديمة حتى صاغهُ محمود الورّاق-الشاعر-بنداً من الحكمة في بيتين فقال:

أخو البِشر محمودٌ على كلّ حــــالةٍ                   ولم يعدِم البغضاءَ من كانَ عابسا

ويُسرع بخـل المـرء في هتك عـرضهِ           ولمْ أرَ مثلَ الجودِ للعِرضِ حــــارسا

وكان أحمد بن حنبل يستظرف هذا البشر، مع أنهُ كان يعيش عيشة الجد والعمل الدائب والمبالغة في الزهد، وقد سُئل عن إسماعيل بن زكريا فقال:(ليس بهِ بأس، إلا أنهُ ليسَ لهُ حلاوة).

وهي الحلاوة عند الحكماء؛ والظرفاء؛ والوسطيين؛ والشموليين؛ وأهل التفاؤل؛ والطموح؛ والنظر الواقعي، فلسنا نريد الثقة فقط، بل نريد الحلو الذي هو طيب، الذي إنْ جالسته أحاطك بحسن الظنّ وآنسك وأنساك الآلام ومرارات الأيام.

وفي مثل المرحلة الحرجة التي يمرُ بها العراق تحت الاحتلال الأميركي والانفلات الأمني بعد عصر من الظلم: تزداد حاجة الناس إلى هذه الحلاوة، وطريقتها أنْ يمثلها دعاةٌ يحسُ منهم الجليس طعم السكر فعلاً، وخطط حلوةٌ تعتمد الحُسنى والإغاثة والتنمية، ومواقفُ تضمُ الشمل وتجمع المتفرق وتعفو عن مسيء تورط أمسُ وجاءنا تائباً، وليس ينفع عند منعطف اليوم قانون اجتثاث وعقاب جزافي، كما لا تنفعنا معلقات سبِ الظلم.

التودّد يمنع التنهّد

وإنما ينفعنا ترويج الصداقة، ونقل ابن مفلح عن ابن عقيل الحنبلي أنه قال في كتاب الفنون:(الذي ينبغي أنْ يكون حد الصداقة: اكتساب نفس إلى نفسك، وروح إلى روحك. وهذا الحـد يريحك عن طلب ما ليس في الوجود حصوله، لأنَّ نفسك الأصلية لا تعطيك محض النفع الذي لا يشوبه إضرار).

وأرجعَ ذلك إلى تغاير الأمزجة، فالمزاج عندهُ:

(إن استقام بالعقل: ترنحَّ بالهوى

وإنْ خشعَ بالموعظة: قسا بالغرور

وإنْ لطُفَ بالفِكْر: غلظ بالغفلة

وإنْ سخا بالرجاء: بخل بالقنوط

فإذا كانت الخلال في الشخص الواحد بهذه المشاكلة من التنافر: كيف يُطلب من الشخصين المتغايرين بالخلقة والأخلاق: الاتفاق والائتلاف؟

فإذا ثبتت هذه القاعدة أفادت شيئين: إقامة الأعذار، وحسن التأويل الحافظ للمودات).

بمعنى أنْ تلتمس لأخيك الأعذار إذا بدر منهُ ما يؤذيك، وأنْ تتأول لهُ على أحسن وجوه التأويل، وتلجأ إلى: لعلَّوربما.

وهذه القاعدة في الصداقة والتعاون نرشحها أنْ تكون الأساس الشرعي والعاطفي الذي يبنى عليه حلفٌ عريض بين الأحزاب العراقية والتوجهات والتكتلات والجمعيات لتحقق جميعاً الوحدة العراقية بين أبناء الشعب، بما يكفل استثمار العطاء الحضاري القديم ودفعهِ إلى أنْ يؤدي دوراً قيادياً جديداً في الأمة الإسلامية وفي مسيرة المعرفة الإنسانية، والمفروض أنْ يبادر أهل الفكر السياسي إلى تدوين واسع لتفاصيل هذه الأعذار والتأويلات، لتساهم في إبعاد هاجس"الحرب الأهلية"الذي أرهق أذهان المخلصين تخوفاً من سوء العقبى والمنقلب، وجرها إلى قطيعةٍ طويلة سوف لا ترحم ولا تراعي تشابك العلاقات الاجتماعية السلمية السائرة على سجيتها منذ قرون طويلة.

إنَّ موعظة ابن عقيل عقلانية حقاً، فإنَّ المزاج تـُقومهُ التربية المنطقية دهراً حتى يعتدل ويستقيم فتأتيهِ أهويةٌ مفاجئةٌ تعصفُ بهِ إذا صاح عدوٌ صيحة التفريق، وهو إنْ خشع بالموعظة وأخبت ومالَ إلى تسهيلٍ: أتتهُ موجة غرور طارئة فَتُسلمهُ إلى خشونة، وهو إنْ راق بالفكر وأحيط بالمحبة وتأسيس المودات معرض إلى أنْ تجتاحهُ غفلة فيكثف الحجاب، ثمَّ هو إنْ دفع به الرجاء إلى اقتحامٍ وإسراعٍ في دروب الخير نكصَ بهِ القنوط إذا همست في الأذن نبرة يائسٍ شحيح.

طموح الأنفس القانعة: يُحرك الحياة القابعة

وما هذه الملاحظات مجرد خواطر وحدوي عاطفي، ولكنها لمنْ أمعنَ النظر وتأمل: تقريرات خططية تمزج فقه الأحكام الشرعية بالحقائق الإيمانية ثمَّ بمفاد الواقع، لتصبح طريقةً في استيعاب حركة الحياة وفهمها، وهي إلى الفلسفة أقرب، ويجدر أنْ يضعها قادة"الحزب الإسلامي العراقي"كميثاق بينهم وبين أنصارهم ومؤيديهم وكل أحرار العراق الذين ينوون المساهمة في عملية الإصلاح والاستدراك على الافتراق، ثمَّ هي أيضاً نظام لتحديد العلاقة بين كل مجموعة قيادية دعوية وأتباعها في أنحاء الأرض، وفي كلّ جيلٍ.

وبهذا النظام تتضح واجبات الأتباع في إجابة نداء القادة، والإسراع إلى الانضمام معهم وفي أحزابهم وحركاتهم وجمعياتهم، ووضع طاقاتهم وأموالهم تحت تصرف الخطة الدعوية، وأخذ النداء مأخذ الجد، والالتزام بمفاد الظرف، والتصدي لسد ثغرة من ثغرات العمل، والاستعداد لكفاية مرفق، والوقوف عند ثنية ومنعطف، والتجول في عرصة إيمانية، حراسة وتثبيتاً لمن فيها وإعلاناً لملكيتها، وإنْ يكون كل ذلك بمبادرة ذاتية من الأتباع، واستجابةً للنداء العام دون تخصيص يتحرج القيادي من اللجوء إليه، وبلا دق للأبواب واستعمال للهواتف وتوسيط رُسل يتحركون بالشفاعة الحسنة بين رعاة الخطة الإسلامية الدعوية وبين رجال الإحسان والغيرة والنجدة.

ويشرح ذلك: الفهم المُجتَمِع عند فقهاء الدعوة، والذي به يرون أنَّ أصل المحور الذي تدور عليه حركات الحياة إنما هو حالة النفس لرجلٍ وضعتهُ الأسباب في موضع التأثير إذا انتفض وأراد وصمم وأتيح لهُ أنْ يطبع طبعة الإيجاب على الأحداث ويضع ختمه إذا أذن الله تعالى، أو العكس: إنْ جبن أو انغلق وأحجم وهابَ واستبدَّ به يأس وأذهلتهُ زحمة السلب، فمن عزمات النفوس يبدأ الصعود، وعند قلقها تترى النكسات، وهي قوانين حيوية يكتشفها صُناع الحياة على السَجية، فيفيق من تأملٍ فإذا هو يرفل بثقة النفس والانشراح، فيَشرع يُبشر أصحابهُ بما يشعر من سموٍ في قناعة، وإقدام في وعي، واقتحام في ريث، كأنهُ يملك ما هنالك وبيدهِ الزمام، كذاك الذي تحدث عنه ابن عقيل الحنبلي حين قال:

(جرى مجلسُ مذاكرة، فقال قائل:

إني لا أجدُ في نفسي ضيقاً وإنْ قصرت يدي، بل طِيب النفس، كأني صاحب ذخيرة!!

فقال رئيسٌ فاضلٌ قد جرّب الدهرَ وحنكتهُ التجارب:

هذه صفة رجل إما قد أعدت لهُ الأيام سعادةً شعرت نفسهُ بها، لأنَّ في النفوس الشريفة ما يُشعر بالأمرِ قبل كونهِ. أو يكون ذلك ثقةً باللهِ لكلِ حادث، لعلمهِ أنهُ من عندِ حكيمٍ لا يضعُ الشيء إلا في موضعهِ، فيستريح من تعب الاعتراض وعذاب التمني.

قال:وبالضدِ من هذا إذا كانَ باكياً شاكياً حزيناً لا لسبب، بل نعم الله عليهِ جَمة، فذلك شعورُ النفسِ بما يؤول حالهُ إليهِ).

ثمَّ نقلَ عن قدماء المشايخ أنهم كانوا يقولون:

(لا بدَّ من أنْ يكون مقدمة النحس وزوال السعادة: كسوف البال؛ وتكاثف الهمّ؛ وضيق الصدر؛ وتغير الأخلاق).

والشاهدُ في ذلك تحليل هذا الرئيس الفاضل ثمَّ المشايخ القدماء، وهو تفسيرٌ مقبولٌ وصوابٌ تعضدهُ تواريخ الرجال ومآلات من ابتدأ بحزمٍ وهو فقيرٌ فردٌ فوَصل وتمَكن، ومن أتيحَ له التفوق فخارفجارَ على مستقبلهِ وانتكس. وما ذكروهُ من كسوف البال إنما هو مرض الكآبة في الاصطلاح الطبي الحديث، وكلّ ذلك شاهدناه في الناس، وصراع السياسة يحوي ألوف القصص، وفي منافسات التجارة والإدارة مثل ذلك، ومن مثل هذه التقريرات تبدأ حركة الحياة، وأول ما ينبغي أنْ يفعله صاحب الخطة الإصلاحية والأنفاس الجهادية: إتقان التعرف على قوانين علم النفس الإيماني، وعلم النفس الدعوي، بما فيهما من التفاتات كثيرة مشابهة لظنون الرؤساء الفضلاء من أصحاب ابن عقيل، ثمَّ يكون الاستئناس بعلم النفس العام، بعد النخل والتمحيص وطلب الشاهد الشرعي لبعض مذاهبهِ، فمن عرفَ النفس: تسلّطَ على ناسٍ كثيرٌ عددهُم واستطاع تحريك الحياة.

ورأس هذه المعرفة النفسية: الثقة بالله، والجزم بانتصار الدعوة، واليقين بصحة الوعد الرباني الذي منحتهُ آية:

}وَكَانَ حَقّاً علَيْنَا نصْرُ الْمُؤْمِنِينَ{الروم: 47

وكلُّ حقٍ منهُ تعالى فهو واجب له، لا عليه، كما قال الشيخ محمد رشيد رضا في مثل هذا"الحق"وأمثاله:

(الحقُ: الأمر أو الشيء الثابت المتحقق بما يثبت به عند الناس منْ شرعٍ وعُرف، وأثبتُهُ وأقواه: ما جعلهُ الله تعالى حقاً بوعدهِ، سواءً كان جزاءً على عمل، أو زائداً عليهِ، أو إحساناً مستأنفاً، ومنهُ ما تقتضيهِ صفة العدل، وما تقتضيهِ صفات الرحمة والرأفة والعفو والفضل، وكلُّ حقٍ منهُ فهو واجبٌ لهُ، لا عليه، لأنهُ يجب لهُ كل كمالٍ لذاتهِ وصفاتهِ وفعالهِ، ولا يجبُ عليهِ شيء بإيجاب غيرهِ، إذ لا سلطان فوق سلطانهِ، فيوجب عليهِ، ولا يَسع مسلماً مخالفة هذا التحقيق).

وهذه الأحرف هي من دقائق قضايا العقيدة، ومن نوادر الفهم الصحيح لها.

والقلوب المؤمنة ترى هذا النصر أقرب وأسرع إذا تعرضَ الدعاة وصُلحاء الناس لظلم ظالمٍ مستبدٍ، أو جمهرة تطيشٍ، وكان محمد بن مهران الكاتب قد قال قديماً:

(أنا منتظرٌ من نصر الله سبحانه على هذا الباغي وانتقامهِ من الظالم ما ليسَ ببعيد، وإنْ كان قومٌ مستدرجين بالإمهال فإنَّ وعد الله سبحانه ناجز، وهو من وراء كلّ ظالم).

وهذا الموقف النفسي هو موقف كل داعية كان في العراق حين أسرف"صدام"، فنجز الوعد، وهو أيضاً موقف الدعاة في العراق اليوم في ظل ظُلمين: الاحتلال الأمريكي، والنمط الغوغائي الشوارعي، ونجزم بأنَّ الوعد سينجز، وبئسَ مُعتقد المستعجل اليائس، وقد سألني المبهور بتفوق السلاح الأمريكي: هل نأذن لأنفسنا بتخيّل هزيمتهِ أو تصور انكماشهِ؟ فقلتُ: نعم، لأنَّ أفعال النفوس هي التي تحرك الحياة لا السلاح، والانتكاس مُتصور في غرور القائد العسكري أو الجالس في البيت الأبيض؛ فيتخذ القرار الخاطئ، تسوقهُ له النفس حين تزهو وتحيطها الخيلاء، خلافاً لمفاد الواقع ومُعطيات الحساب، فتكون المهلكة التي أهلكت"نابليون"و"هتلر"وغيرهما.

ثمَّ سأل آخر: أيعود الغوغائي ضعيفاً وقد نهبَ أموال الدولة وسلاح الجيش وأخاف الناس بالقتل الانتقامي؟ فقلتُ ثانيةً أنْ: نعم، إذا تمادى ولم يُدرك وجود التحدي ونوازع الدفاع في أنفس الجمع المقابل إذا أفاق من دهشة المفاجأة فانتظم وجذبهُ عشق الحرية ودفعتهُ موازين الإيمان نحو إحدى الحُسنيين!!

ويؤكد فقه الدعوة صحة هذه الأطوار النفسية، ثمَّ يذهب لمزيد عبر قناعة بأنَّ هذا الانشراح النفسي الذي يمنح المؤمن شعور الثراء وإن أملق. والذي يُحرك الحياة: يلزمهُ شعورٌ آخر مُـكمل له لكي تبلغ حركة الحياة درجة العنفوان وتمام التحول والانتقال من حالٍ إلى حال، ويكمن ذلك في أنَّ هذا الثري المترفع الطَموح عليهِ أنْ يثق بالناس، وأنْ يوقن بوجود عصبةٍ في كلّ جيل يمكن أنْ تستقبل توجيهات الخير، وأنْ تعضد المصلح وتنصرهُ وتبذل معهُ وتقدمهُ وترضى بهِ زعيماً وقائداً، وكلُّ ذلك مفتاحهُ فهم الحديث الصحيح الذي(رواهُ مُسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا قال الرجلُ: هلكَ الناس: فهو أهلكُهم)).

برفع الكاف، قال الحُميدي في الجمع بين الصحيحين:وهو أشهر، أي أشدهم هلاكاً. ورويَ في حلية الأولياء في ترجمة سفيان الثوري: فهو من أهلكِهم، ورويَ:أهلكَهم-بفتح الكاف-أي جعلهم هالكين، لا أنهم هلكوا في الحقيقة، وهذا النهي لمن قال ذلك على سبيل الاحتقار والإزراء على الناس وتفضيل نفسهِ عليهم. قال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يُعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول: فسدَ الناس وهلكوا، ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم-أي أسوأ حالاً منهم-).     

فهذا الحديث وشروحهُ أصلٌ من أصول فقه الدعوة، ويوفر الخلفية التعليلية لمذهب الإصلاح، إذ فيهِ إقرار واعتراف بأنَّ الناس على خيرٍ مهما سرى فيهم من عِرقٍ مريضٍ وأنواع من السوء يضع لها المحصون أوصافاً رديئة، لأنَّ الخلال السلبية تبقى مقرونة بخصال إيجابية توازيها، من بقايا العزة والطموح والتحدي، فيكون ارتكاز المُصلح إلى هذه البقايا سهلاً، ينميها ويوقظها، ثمَّ يشرع مع الاستجابة الأولى يعالج السلبيات والرداءة عبر تربية طويلة، فيسل النفسَ من ورطاتها، ويجلو سخيمة القلب، ويحكُ الصدأ، حتى يُطلق كل الخيريات من عقالها الذي حبسها من