![]()
في حكم من سب الله تعالى و ملائكته و كتبه ، و أنبياءه ، و آل النبي و أزواجه وصحبه
لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم . و اختلف في استتابته ،
فقال ابن القاسم في المبسوط ، و في كتاب ابن سحنون ، و محمد ، و رواه ابن
القاسم عن مالك في كتاب إسحاق بن يحيى : من سب الله تعالى من المسلمين قتل و لم
يستتب إلا أن يكون افتراء على الله بارتداده إلى دين دان به و أظهره فيستتاب ،
و إن لم يظهره لم يستتب .
و قال في المبسوطة مطرف و عبد الملك مثله .
و قال المخزومي ، و محمد بن سلمة ، و ابن أبي حازم : لا يقتل المسلم بالسب حتى
يستتاب .
و كذلك اليهودي و النصراني ، فإن تابوا قبل منهم ، و إن لم يتوبوا قتلوا و لا
بد من الاستتابة ، و ذلك كله كالردة ، و هو الذي حكاه القاضي بن نصر عن المذهب
.
و أفتى أبو محمد بن أبي زيد فيما حكي عنه في رجل لعن رجلاً و لعن الله ، فقال :
إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني ، فقال : يقتل بظاهر كفره ، و لا يقبل
عذره .
و أما فيما بينه و بين الله تعالى فمعذور .
و اختلف فقهاء قرطبة في مسألة هارون بن حبيب أخي عبد الملك الفقيه ، و كان ضيق
الصدر ، كثير التبرم ، و كان قد شهد عليه بشهادات ، منها أنه قال عند استقلاله
من مرض : لقيت في مرضى هذا ما لو قتلت أبا بكر و عمر لم أستوجب هذا كله .
فأفتى إبراهيم بن حسين بن خالد بقتله ، و أن مضمن قوله تجوير لله تعالى و تظلم
منه ، و التعريض فيه كالتصريح .
و أفتى أخوه عبد الملك بن حبيب ، و إبراهيم بن حسين بن عاصم ، و سعيد بن سليمان
القاضي بطرح القتل عنه ، إلا أن القاضي رأى عليه التثقيل في الحبس ، و الشدة في
الأدب ، لاحتمال كلامه ، و صرفه إلى التشكي ، فوجه من قال في ساب الله
بالاستتابة ـ إنه كفر و ردة محضة لم يتعلق بها حق لغير الله ، فأشبه قصد الكفر
بغير سب الله ، و إظهار الانتقال إلى دين آخر من الأديان المخالفة للإسلام .
و وجه ترك استتابته أنه لما ظهر منه ذلك بعد إظهار الإسلام قبل اتهمناه و ظننا
أن لسانه لم ينطق به إلا و هو معتقد له ، إذ لا يتساهل في هذا أحد ، فحكم له
بحكم الزنديق ، و لم تقبل توبته ، و إذا انتقل من دين إلى آخر ، و أظهر السب
بمعنى الارتداد فهذا قد أعلم أنه خلع ربقة الإسلام من عنقه ، بخلاف الأول
المتمسك به ، و حكم هذا حكم ا لمرتد : يستتاب على مشهور مذاهب أكثر أهل العلم ،
و هو مذهب مالك و أصحابه على ما بيناه قبل ، و ذكرنا الخلاف في فصوله .
فصل
حكم من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به
و أما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به ليس على طريق السب و لا الردة و
قصد الكفر ، و لكن على طريق التأويل و الاجتهاد و الخطأ المفضي إلى الهوى و
البدعة ، من تشبيه أو نعت بجارحة أو نفي صفة كمال ، فهذا مما اختلف السلف ، و
الخلف في تكفير قائله و معتقده .
و اختلف قول مالك و أصحابه في ذلك ، و لم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا فئةً ،
و أنهم يستتابون ، فإن تابوا و إلا قتلوا و إنما اختلفوا في المنفرد منهم ، و
أكثر قول مالك و أصحابه ترك القول بتكفيرهم ، و ترك قتلهم ، و المبالغة في
عقوبتهم ، و إطالة سجنهم ، حتى يظهر إقلاعهم ، و تستبين توبتهم ، كما فعل عمر
رضي الله عنه بصبيغ .
و هذا قول محمد بن المواز في الخوارج و عبد الملك بن الماجشون ، و قول سحنون في
جميع أهل الأهواء ، و به فسر قول مالك في الموطأ ، و ما رواه عن عمر بن عبد
العزيز و جده و عمه ، من قولهم في القدرية يستتابون ، فإن تابوا و إلا قتلوا .
و قال عيسى عن ابن القاسم ـ في أهل الهواء من الإباضية و القدرية و شبههم ممن
خالف الجماعة من أهل البدع و التحريف ، لتأويل كتاب الله : يستتابون أظهروا ذلك
أو أسروه . فإن تابوا إلا قتلوا ، و ميراثهم لورثتهم .
و قال مثله أيضاً ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر و غيرهم ، قال : و
استتابتهم أن يقال لهم : اتركوا ما أنتم عليه .
و مثله له في المبسوط في الإباضية و القدرية و سائر أهل البدع ، قال : و هم
مسلمون ، و إنما قتلوا لرأيهم السوء ، و بهذا عمل عمر بن عبد العزيز .
قال ابن القاسم : من قال : إن الله لم يكلم موس تكليماً استتيب ، فإن تاب و إلا
قتل .
و ابن حبيب و غيره من أصحابنا يرى تكفيرهم و تكفير أمثالهم من الخوارج و
القدرية و المرجئة .
و قد روي أيضاً عن سحنون مثله فيمن قال : ليس لله كلام ، إنه كافر .
و اختلفت الروايات عن مالك ، فاطلق في رواية الشاميين : أبي مسهر ، و مروان ابن
محمد الطاطري الكفر عليهم ، و قد شوور في زواج القدري ، فقال : لا تزوجه ، قال
الله تعالى : ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم [ سورة البقرة / 2 ، الآية :
221 ] .
و قال : من وصف شيئاً من ذات الله تعالى ، و أشار إلى شيء من جسده : يد ، أو
سمع ، أو بصر ، قطع ذلك منه ، لأنه شبه الله بنفسه .
و قال فيمن قال : ا لقرآن مخلوق ـ كافر فاقتلوه .
و قال أيضاً ـ في رواية ابن نافع ـ يجلد ، و يوجع ، ضرباً ، و يحبس حتى يتوب .
و في رواية بشر بن بكر التنيسي عنه : يقتل و لا تقبل توبته .
قال القاضي أبو عبد الله البرنكاني ، و القاضي أبو عبد الله التستري من أئمة
العراقيين : جوابه مختلف ، يقتل المستبصر الداعية .
و على هذا الخلاف اختلف قوله في إعادة الصلاة خلفهم .
و حكى ابن المنذر ، عن الشافعي : لا يستتاب القدري .
و أكثر أقوال السلف تكفيرهم ، و ممن قال به الليث ، و ابن عيينة و ابن لهيعة ،
و روي عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن ، و قاله ابن المبارك ، و الأودي ، و وكيع
، و حفص بن غياث ، و أبو إسحاق الفزاري ، و هشيم ، و علي بن عاصم في آخرين ، و
هو من قول أكثر المحدثين و الفقهاء و المتكلمين فيهم و في الخوارج و القدرية و
أهل الأهواء المضلة و أصحاب البدع المتأولين ، و هو قول أحمد بن حنبل ، و كذلك
قالوا في الواقفة و الشاكة في هذه الأصول .
و ممن روي عن معنى القول الآخر بترك تكفيرهم علي بن أبي طالب ، و ابن عمر ، و
الحسن البصري ، و هو رأي جماعة من الفقهاء و النظار و المتكلمين ، و احتجوا بتو
ريث الصحابة و التابعين ورثة أهل حروراء ، و من عرف بالقدر ممن مات منهم ، و
دفنهم في مقابر المسلمين ، و جري أحكام الإسلام عليهم .
قال إسماعيل القاضي : و إنما قال مالك في القدرية و سائر أهل البدع : يستتابون
، فإن تابوا و إلا قتلوا ، لأنه من الفساد في الأرض ، كما قال في المحارب : إن
رأى الإمام قتله ، و إن لم يقتل ، قتله ، و فساد المحارب إنما هو في الأموال و
مصالح الدنيا ، و إن كان قد يدخل أيضاً في أمر الدين من سبيل الحج و الجهاد ، و
فساد أهل البدع معظمه على الدين ، و قد يدخل في أمر الدنيا بما يلقون بين
المسلمين من العداوة .
فصل
في تحقيق القول في إكفار المتأولين
قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أهل البدع و الأهواء المتأولين ممن قال قولاً
يؤديه مساقه إلى كفر ، و هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه .
و على اختلافهم اختلف الفقهاء و المتكلمون في ذلك ، فمنهم من صوب التكفير الذي
قال به الجمهور من السلف ، و منهم من أباه و لم ير إخراجهم من سواد المؤمنين ،
و هو قول أكثر الفقهاء و المتكلمين ، و قالوا : هم فساق عصاة ضلال ، و نوارثهم
من المسلمين ، و نحكم لهم بأحكامهم ، و لهذا قال سحنون : لا إعادة على من صلى
خلفهم ، قال : و هو قول جميع أصحاب مالك [ كلهم ] : المغيرة ، و ابن كنانة ، و
أشهب ، قال : لأنه مسلم ، و ذنبه لم يخرجه من الإسلام .
و اضطرب آخرون في ذلك ، و وقفوا على القول بالتكفير وضده . و اختلاف قولي مالك
في ذلك ، و توقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه و إلى نحو من هذا ذهب القاضي أبو
بكر إمام أهل التحقيق و الحق ، و قال : إنها من المعوصات ، إذا القوم لم يصرحوا
بالكفر ، و إنما قالوا قولاً يؤدي إليه .
و اضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه مالك بن أنس حتى قال في بعض
كلامه : إن هم على رأي من كفرهم بالتأويل لا تحل مناكحتهم ، و لا أكل ذبائحهم ،
و لا الصلاة على ميتهم .
و يختلف في موارثتهم على الخلاف في ميراث المرتد .
و قال أيضاً : نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ، و لا نورثهم هم من المسلمين ، و
أكثر ميله إلى تركه التكفير بالمآل ، و كذلك اضطراب فيه قول شيخه أبي الحسن
الأشعري ، و أكثر قوله ترك التكفير ، و أن الكفر خصلة واحدة ، و هو الجهل
بوجود الباري تعالى .
و قال مرةً : من اعتقد أن الله جسم ، أو المسيح ، أو بعض من يلقاه في الطرق ،
فليس بعارف به و هو كافر .
و لمثل هذا ذهب أبو المعالي رحمه الله في أجوبته لأبي محمد عبد الحق ، و كان
سأله عن المسالة ، و اعتذر له بأن الغلط فيها يصعب ، لأن إدخال كافر في الملة ،
أو إخراج مسلم عنها عظيم في الدين .
و قال غيرهما من المحققين : الذي يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل ، فإن
استبحاة الموحدين خطأ ، و الخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من
دم مسلم واحد .
و قد قال صلى الله عليه و سلم : فإذا قالوها ـ يعني الشهادة ـ عصموا مني دماءهم
و أموالهم إلا بحقها ، و حسابهم على الله .
فالعصمة مقطوع بها من الش هادة ، و لا ترتفع و يستباح خلافها إلا بقاطع ، و لا
قاطع من شرع و لا قياس عليه .
و ألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل ، فما جاء منها في التصريح
بكفر القدرية ، و قوله : لا سهم لهم في الإسلام ، و تسميته الرافضة بالشرك ، و
إطلاق اللعنة عليهم ، و كذلك في الخوارج و غيرهم من أهل الأهواء ، فقد يحتج بها
من يقول بالتفكير ، و قد يجيب الآخر عنها بأنه قد ورد في الحديث مثل هذه
الألفاظ في غير الكفرة على طريق التغليط ، و كفر دون كفر ، و إشراك دون إشراك .
و قد ورد مثله في الرياء و عقوق الوالدين ، و الزوج ، و الزور ، و غير معصية .
و إذا كان محتملاً للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا بدليل قاطع .
و قوله في الخوارج : هم من شر البرية ، و هذه صفة الكفار .
و قال : شر قبيل تحت أديم السماء ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه .
و قال : فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد .
فظاهر هذا الكفر لا سيما مع تشبيههم بعاد ، فيحتج به من يرى تكفيرهم ، فيقول له
الآخر : إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين و بغيهم عليهم ، بدليل من
الحديث نفسه : يقتلون أهل الإسلام ، فقتلهم ها هنا حد لا كفر .
و ذكر عاد تشبيه للقتل و حله لا للمقتول ، و ليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره .
و يعارضه بقول خالد في الحديث : دعني أضرب عنقه يا رسول الله . فقال : لعله
يصلي .
فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه و سلم : يقروؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم ـ
فأخبر أن الإيمان لم يدخل قلوبهم .
و كذلك قوله : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون إليه حق
يعود السهم على فوقه .
و بقوله : سبق الفرث و الدم يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام بشيء .
أجابه الآخرون : إن معنى لا يجاوز حناجرهم : لا بفهمون معانيه بقلوبهم ، و لا
تنشرح له صدورهم ، و لا تعمل به جوارحهم ، و عارضوهم بقوله ، و يتمارى في الفوق
.
و هذا يقتضي التشكك في حاله .
و احتجوا بقول أبي سعيد الخدري في هذا الحديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه و
سلم يقول : يخرج في هذه الأمة ـ و لم يقل : من هذه ، و تحرير أبي سعيد الرواية
، و إتقانه اللفظ .
أجابهم الآخرون بأن العبارة : في لا تقتضي تصريحاً بكونهم من غير الأمة ، بخلاف
لفظة من التي هي للتبعيض . و كونهم من الأمة مع أنه قد روي عن أبي ذر ، و علي ،
و أبي أمامة و غيرهم في هذا الحديث : يخرج من أمتي و سيكون من أمتي ، و حروف
المعاني مشتركة ، فلا تعويل على إخراجهم من الأمة ب [ في ] ، و لا على إدخالهم
فيها ب [ من ] ، لكن أبا سعيد رضي الله عنه أجاد ما شاء في التنبيه الذي نبه
عليه . و هذا مما يدل على سعة فقه الصحابة و تحقيقهم للمعاني و استنباطها من
الألفاظ ، و تحريرهم لها ، و توقيهم في الرواية هذه المذاهب المعروفة لأهل
السنة .
و لغيرهم من الفرق فيها مقالات كثيرة مضطربة سخيفة ، أقر بها قول جهم و محمد بن
شبيب : إن الكفر بالله الجهل به ، لا يكفر أحد بغير ذلك .
و قال أبو الهذيل : إن كل متأول كان تأويله تشبيهاً لله بخلقه ، و تجويراً له
في فعله ، و تكذيباً لخبره فهو كافر .
و كل من أثبت شيئاً قديماً لا يقال له الله فهو كافر .
و قال بعض المتكلمين : إن كان ممن عرف الأصل و بنى عليه ، و كان فيما هو من
أوصاف الله فهو كافر ، و إن لم يكن من هذا الباب ففاسق ، إلا أن يكون ممن لم
يعرف الأصل فهو مخطئ غير كافر .
و ذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين
فيما كان عرضه للتأويل ، و فارق في ذلك فرق الأمة ، إذ أجمعوا سواه على أن الحق
في أصول الدين في واحد ، و المخطئ فيه آثم عاص فاسق . و إنما الخلاف في تكفيره
.
و قد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني مثل قول عبيد الله عن داود الأصبهاني ،
قال : و حكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم الله سبحانه من حاله
استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا أو من غيرهم .
و قال نحو هذا القول الجاحظ ، و ثمامة ، في أن كثيراً من العامة و النساء و
البله و مقلدة النصارى و اليهود و غيرهم لا حجة لله عليهم ، إذ لم تكن لهم طباع
يمكن معها الاستدلال .
و قد نحا الغزالي من هذا المنحى في كتاب التفرقة .
و قائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحداً من النصارى و اليهود و
كل من فارق دين المسلمين ، أو وقف في تكفيرهم ، أو شك .
قال القاضي أبو بكر : لأن التوقيف و الإجماع على كفرهم ، فمن وقف في ذلك فقد
كذب النص ، و التوقيف ، أو شك فيه . و التكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر
.
فصل
في بيان ما هو من المقالات كفر ، و ما يتوقف أو يختلف فيه ، و ما ليس بكفر
اعلم أن تحقيق هذا الفصل و كشف اللبس فيه مورده الشرع ، و لا مجال للعقل فيه ،
و الفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية أو عبادة
أحد غير الله ، أو مع الله ـ فهو كفر ، كمقالة الدهرية ، و سائر فرق أصحاب
الاثنين من الديصانية أو المانوية و أشباههم من الصائبين و النصارى و المجوس، و
الذين أشركوا بعبادة الأوثان أو الملائكة ، أو الشياطين ، أو الشمس ، أو النجوم
أو النار أو أحد غير الله من مشركي العرب ، و أهل الهند و الصين و السودان و
غيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب .
و كذلك القرامطة و أصحاب الحلول و التناسخ من الباطنية و الطيارة من الرافضة و
الجناحية و البيانية و الغرابية .
و كذلك من اعترف بإلالهية الله و وحدانيته ، و لكنه اعتقد أنه غير حي أو غير
قديم ، و أنه محدث أو مصور ، أو ادعى له ولداً أو صاحبة أو والداً ، أو أنه
متولد من شيء أو كائن عنه ، أو أن معه في الأزل شيئاً قديماً غيره ، أو أن ثم
صانعاً للعالم سواه ، أو مدبراً غيره ، فذلك كله كفر بإجماع المسلمين ، كقول
الإلهيين من الفلاسفة و ا لمنجمين و الطبائعيين . و كذلك من ادعى مجالسة الله ،
و العروج إليه ، و مكالمته ، أو حلوله في أحد الأشخاص ، كقول بعض المتصوفة و
الباطنية ، و النصارى ، و القرامطة .
و كذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم ، أو بقائه ، أو شك في ذلك على مذهب
بعض الفلاسفة و الدهرية ، أو قال بتناسخ الأرواح و انتقالها أبد الآباد في
الأشخاص ، و تعذيبها أو تنعيمها فيها بحسب زكائها و خبثها . و كذلك من اعترف
بالإلهية و الوحدانية ، و لكنه جحد النبوة من أصلها عموماً ، أو نبوة نبينا صلى
الله عليه و سلم خصوصاً ، أو أحد من الأنبياء الذين نص الله عليهم بعد علمه
بذلك ، فهو كافر بلا ريب ، كالبراهمة ، و معظم اليهود و الأروسية من النصارى ،
و الغرابية من الروافض الزاعمين أن علياً كان المبعوث إليه جبريل ، و كالمعطلة
و القرامطة و الإسماعيلية و العنبرية من الرافضة ، و إن كان بعض هؤلاء قد
أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم .
و كذلك من دان بالوحدانية و صحة النبوة ، و نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم ، و
لكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به ، ادعى في ذلك المصلحة بزعمه أو لم
يدعها فهو كافر بإجماع ، كالمتفلسفين ، و بعض الباطنية ، و ا لروافض ، و غلاة
المتصوفة ، و أصحاب الإباحة ، فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع ، و أكثر ما جاءت
به الرسل من الأخبار عما كان و يكون من أمور الآخرة و الحشر و القيامة ، و
الجنة و النار ، ليس منها شيء على مقتضى لفظها و مفهوم خطابها ، و إنما خاطبوا
بها الخلق على جهة المصلحة لهم ، إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم ، فمضمن
مقالاتهم إبطال الشرائع ، و تعطيل الأوامر و النواهي ، و تكذيب الرسل ، و
الإرتياب فيما أتوا به .
و كذلك من أضاف إلى نبينا صلى الله عليه و سلم تعمد الكذب فيما بلغه و أخبر به
، أو شك في صدقه ، أو سبه ، أو قال : إنه لم يبلغ ، أواستخف به ، أو بأحد من
الأنبياء ، أو أزرى عليهم ، أو آذاهم ، أو قتل نبياً ، أو حاربه ، فهو كافر
بإجماع .
و كذلك نكفر من ذهب مذهب القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيراً أو نبياً
من القردة و الخنازير و الدواب و الدود . و يحتج بقوله تعالى : وإن من أمة إلا
خلا فيها نذير . إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة
. و فيه من الإزراء على هذا المنصب المنيف ما فيه ، مع إجماع المسلمين على
خلافه ، وتكذيب قائله .
وكذلك نكفر من ا عترف من الأصول الصحيحة بما تقدم ، و بنبوة نبينا صلى الله
عليه و سلم ، و لكن قال : كان أسود ، أو مات قبل أن يلتحي ، و ليس الذي كان
بمكة و الحجاز ، أو ليس بقرشي ، لأن وصفه بغير صفاته المعلومة نفي له و تكذيب
به .
وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا صلى الله عليه و سلم أو بعده ، كالعيسوية من
اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب ، و كالخرمية القائلين بتواتر الرسل ،
وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي صلى الله عليه و سلم و
بعده ، وكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة و الحجة ، و كالبزيعية و
البيانية منهم القائلين بنيوة بزيع و بيان و أشباه هؤلاء . أو من ادعى النبوة
لنفسه ، أو جوز اكتسابها و البلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها ، كالفلاسفة و غلاة
المتصوفة .
و كذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه و إن لم يدع النبوة ، أو أنه يصعد إلى
السماء و يدخل إلى الجنة ، و يأكل من ثمارها ، و يعانق الحور العين ، فهؤلاء
كلهم كفار مكذبون للنبي صلى الله عليه و سلم ، لأنه أخبر النبي صلى الله عليه و
سلم أنه خاتم النبيين ، لا نبي بعده . و أخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين ،
و أنه أرسل كافة للناس .
و أجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره ، و أن مفهومه المراد منه دون
تأويل و لا تخصيص ، فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعاً إجماعاً و سمعاً .
و كذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب ، أو خص حديثاً مجمعاً على
نقله مقطوعاً به ، مجمعاً على حمله على ظاهره ، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم ،
و لهذا نكفر من دان بغيرملة المسلمين من الملل ، أو وقف فيهم ، أو شك ، أو صحح
مذهبهم ، و إن أظهر مع ذلك الإسلام ، و اعتقده ، و اعتقد إبطال كل مذهب سواه ،
فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك .
و كذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة و تكفير جميع
الصحابة ، كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي صلى الله عليه
و سلم ، إذ لم تقدم علياً . و كفرت علياً ، إذ لم يتقدم و يطلب حقه في التقديم
، فهؤلاء قد كفروا من وجوه ، لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها ، إذ قد انقطع نقلها
و نقل القرآن ، إذ ناقلوه كفرة على زعمهم ، و إلى هذا ـ و الله أعلم ـ أشار
مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة .
ثم كفروامن وجه آخر بسبهم النبي صلى الله عليه و سلم على مقتضى قولهم و زعمهم
أنه عهد إلى علي رضي الله عنه و هو يعلم انه يكفر بعده على قولهم ، لعنة الله
عليهم ، و صلى الله على رسوله و آله .
و كذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر من كافر و إن كان صاحبه مصرحاً
بالإسلام مع فعله ذلك الفعل ، كالسجود للصنم ، و للشمس و القمر ، و الصليب و
النار ، و السعي إلى الكنائس و البيع مع أهلها بزيهم : من شد الزنانير ، و فحص
الرؤوس ، فقد أجمع المسلمون أن هذا [ الفعل ] لا يوجد إلا من كافر ، و أن هذه
الأفعال علامة على الكفر و إن صرح فاعلها بالإسلام .
و كذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما
حرم الله بعد علمه بتحريمه ، كأصحاب الإباحة من القرامطة و بعض غلاة المتصوفة .
و كذلك نقطع بتكفير كل من كذب و أنكر قاعدة من قواعد الشرع ، و ما عرف يقيناً
بالنقل المتواتر من فعل الرسول ، و وقع الإجماع المتصل عليه ، كمن أنكر وجوب
الخمس الصلوات أو عدد ركعاتها و سجداتها ، و يقول : إنما أوجب الله علينا في
كتابه الصلاة على الجملة ، و كونها خمساً ، و على هذه الصفات و الشروط لا أعلمه
، إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي ، و الخبر به عن الرسول صلى الله عليه و سلم
خبر و احد .
و كذلك أجمع المسلمون على تكفير من قال من الخوارج : إن الصلاة طرفي النهار ، و
على تكفير الباطنية في قولهم : إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم ، و
الخبائث و المحارم أسماء رجال أمروا بالبراء منهم .
و قول بعض المتصوفة : إن العبادة و طول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى
إسقاطها و إباحة كل شيء لهم ، و رفع عهد الشرائع عنهم .
و كذلك إن أنكر منكر مكة ، أو البيت ، أو المسجد الحرام ، أو صفة الحج ، أو قال
: الحج واجب في القرآن ، و استقبال القبلة كذلك ، و لكن كونه على هذه الهيئة
المتعارفة ، أن تلك البقعة هي مكة و البيت و المسجد الحرام ، لا أدري هي تلك أو
غيرها ، و لعل الناقلين أن النبي صلى الله عليه و سلم فسرها بهذه التفاسير
غلطوا و وهموا ، فهذا و مثله لا مرية في تكفيره إن كان ممن يظن به علم ذلك ، و
ممن يخالط المسلمين ، [ و امتدت صحبته لهم، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام ،
فيقال له : سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين ] ، فلا تجد
بينهم خلافاً ، كافة ًعن كافة ، إلى معاصري الرسول صلى الله عليه و سلم ـ أن
هذه الأمور كما قيل لك ، و أن تلك البقعة هي مكة و البيت الذي فيها هو الكعبة ،
و القبلة التي صلى لها الرسول صلى الله عليه و سلم و المسلمون ، و حجوا إليها ،
و طافوا بها ، و ان تلك الأفعال هي صفة عبادة الحج ، و المراد به ، و هي التي
فعلها النبي صلى الله عليه و سلم و المسلمون ، و أن صفات الصلاةالمذكورة هي
التي فعل النبي صلى الله عليه و سلم ، و شرح مراد الله بذلك ، و أبان حدودها ،
فيقع لك العلم كما وقع لهم ، و لا ترتاب بذلك بعد ، و المرتاب في ذلك ، أو
المنكر بعد البحث و صحبة المسلمين كافر باتفاق ، لا يعذر بقوله : لا أدري ، و
لا يصدق فيه ، بل ظاهره التستر عن التكذيب ، إذ لا يمكن أنه لا يدري .
و أيضاً فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم و الغلط فيما نقلوه من ذلك ، و
أجمعوا أنه قول الرسول و فعله و تفسير مراد الله به ـ أدخل الاسترابة في جميع
الشريعة ، إذ هم الناقلون لها و للقرآن ، و انحلت عرا الدين كرةً ، و من قال
هذا كافر .
و كذلك من أنكرالقرآن ، أو حرفاً منه ، او غيره شيئاً منه ، أو زاد فيه ، كفعل
الباطنية و الإسماعيلي ، أو زعم أنه ليس بحجة للنبي صلى الله عليه و سلم ، أو
ليس فيه حجة و لا معجزة ، كقول هشام الفوطي ، و معمر الضمري : إنه لا يدل على
الله ، و لا حجة فيه لرسوله ، و لا يدل على ثواب و لا عقاب ، و لا حكم ، و لا
محالة في كفرهما بذلك القول .
و كذلك تكفيرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي صلى الله عليه و سلم
حجة له ، أو في خلق السموات و الأرض دليل على الله ، لمخالفتهم الإجماع و النقل
المتواتر عن النبي صلى الله عليه و سلم باحتجاجه بهذا كله و تصريح القرآن به .
و كذلك من أنكر شيئاً مما نص فيه القرآن ـ بعد علمه ـ أنه من القرآن الذي في
أيدي الناس و مصاحف المسلمين ، و لم يكن جاهلاً به ، و لا قريب عهد بالإسلام ،
و احتج لإنكاره إما بأنه لم يصح النقل عنده ، و لا بلغه العلم به ، أو لتجويزه
الوهم على ناقليه ، فنكفره بالطريقين المتقدمين ، لأنه مكذب [ للقرآن ، مكذب ]
للنبي صلى الله عليه و سلم ، لكنه تستر بدعواه .
و كذلك من أنكر الجنة أو النار ، أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر
بإجماع للنص عليه ، و إجماع الأمة على صحة نقله متواتراً ، و كذلك من اعتراف
بذلك ، و لكنه قال : إن المراد بالجنة و النار ، و الحشر و النشر ، و الثواب و
العقاب ـ معنى غير ظاهره ، و إنها لذات روحانية، و معان باطنة ، كقول النصارى و
الفلاسفة و الباطنية و بعض المتصوفة ، و زعمهم أن معنى القيامة الموت أو فناء
محض ، و انتقاض هيئة الأفلاك ، و تحليل العالم ، كقول بعض الفلاسفة .
و كذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم : إن الأئمة أفضل من الأنبياء .
فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار و السير و البلاد التي لا ترجع إلى
إبطال شريعة ، و لا تفضي إلى إنكار قاعدة من الدين ، كإنكار غزوة تبوك أو مؤتة
، أو وجود أبي بكر و عمر ، أو قتل عثمان ، و خلافة علي ، مما علم بالنقل ضرورة
، و ليس في إنكاره جحد شريعة ، فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك ، و إنكاره وقوع
العلم له ، إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة ، كإنكار هشام و عباد وقعة الجمل ،
و محاربة علي من خالفه .
فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة الناقلين ، و وهم المسلمين أجمع ، فنكفره بذلك
لسريانه إلى إبطال الشريعة .
فأما من أنكر الإجماع المجرد الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع فأكثر
المتكلمين من الفقهاء و النظار في هذا الباب قالوا بتكفيركل من خالف الإجماع
الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عموماً .
و حجتهم قوله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل
المؤمنين نوله ما تولى ونص له جهنم وساءت مصيرا [ سورة النساء / 4 ، الآية :
115 ] .
و قوله صلى الله عليه و سلم : من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من
عنقه . و حكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع .
و ذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع [ الذي يختص بنقله
العلماء .
و ذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع ] الكائن عن نظر ، كتكفير
النظام بإنكاره الإجماع ، لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به ،
خارق للإجماع .
قال القاضي أبو بكر : القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل بوجوده ، و الإيمان
بالله هو العلم بوجوده ، و أنه لا يكفر أحد بقول و لا رأي إلا أن يكون هو الجهل
بالله ، فإن عص بقول أو فعل نص الله و رسوله ، أو أجمع المسلمون ، أنه لا يوجد
إلا من كافر ، أو يقوم دليل على ذلك ، فقد كفر ، ليس لأجل قوله أو فعله ، لكن
لما يقارنه من الكفر ، فالكفر بالله لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور : أحدها الجهل
بالله تعالى . و الثاني أن يأتي فعلاً أو يقول قولاً يخبر الله و رسوله ، أو
يجمع المسلمون ، أن ذلك لا يكون إلا من كافر ، كالسجود للصنم ، و المشي إلى
الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم ، أو أن يكون ذلك القول أو الفعل
لا يمكن معه العلم بالله تعالى .
قال : فهذان الضربان ، وإن لم يكونا جهلاً بالله فهما علم أن فاعلهما كافر
منسلخ من الإيمان ، فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية ، أو جحدها
مستبصراً في ذلك ، كقوله : ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم ، وشبه ذلط
من صفات الكمال الواجبة له تعالى ، فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى
عنه تعالى الوصف بها ، وأعراه عنها .
وعلى هذا حمل قول سحنون : من قال : ليس لله كلام ، فهو كافر ، و هو لا يكفر
المتأولين كما قدمناه .
فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ها هنا ، فكفره بعضهم ، وحكي ذلك
عن أبي جعفر الطبري و غيره ، و قال به أبو الحسن الأشعري مرة .
و ذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان ، و إليه رجع الأشعري ، قال :
لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ، ويراه ديناً وشرعاً وإنما نكفر من
اعتقد أن مقاله حق .
واحتج هؤلاء بحديث السوداء ، وأن النبي صلى الله عليه و سلم إنما طلب منها
التوحيد لا غير ، وبحديث القائل : لئن قدر الله علي ـ وفي رواية فيه : لعلي أضل
الله
. ثم قال : فغفر الله له .
قالوا : ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا
الأقل .
وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه ، منها أن قدر بمعنى قدر ، ولا يكون شكه في
القدرة على إحيائه ، بل في نفس البعث الذي لا يعلم إلا بشرع ، و لعله ورد عندهم
به شرع يقطع عليه ، فيكون الشك به حينئذ فيه كفراً .
فأما ما لم يرد شرع فهو من مجوزات العقول ، أو يكون قدر بمعنى ضيق ، و يكون ما
فعله إزراء عليها و غضباً لعصيانها .
و قيل : قال ما قاله و هو غير عاقل لكلامه و لا ضابط للفظه مما استولى عليه من
الجزع والخشية التي أذهبت لبه ، فلم يؤاخذ به .
[ و قيل : كان هذا في زمن الفترة ، و حيث ينفع مجرد التوحيد ] .
و قيل : بل هذا من مجاز كلام العرب الذي صورته الشك ، و معناه التحقيق ، و هو
يسمى تجاهل العارف ، و له أمثلة في كلامهم ، كقوله تعالى : لعله يتذكر أو يخشى
. و قوله : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [ سورة سبأ / 34 ، الآية :
24 ] .
فأما من أثبت الوصف و نفى الصفة فقال : أقول عالم و لكن لا علم له ، و متكلم و
لكن لا كلام له . و هكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة: فمن قال بالمآل لما
يؤديه إليه قوله ، و يسوقه إليه مذهبه ـ كفره ، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف
عالم ، إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قوله
لهم . و هكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة و القدرية و غيرهم .
و من لم ير أخذهم بمآل قولهم ، و لا ألزمهم موجب مذهبهم ، لم ير إكفارهم ، قال
: لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا : لا نقول ليس بعالم ، و نحن ننتفي من القول
بالمآل الذي ألزمتوه لنا ، و نعتقد نحن و أنتم أنه كفر ، بل نقول : إن قولنا لا
يؤول إليه على ما أصلناه .
فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل ، و إذا فهمته اتضح لك
الموجب لاختلاف الناس في ذلك .
و الصواب ترك إكفارهم و الإعراض عن الحتم عليهم بالخسران و إجراء حكم الإسلام
عليهم في قصاصهم و وراثاتهم ، و مناكحاتهم ، و دياتهم ، و الصلاة عليهم ، و
دفنهم في مقابر المسلمين ، و سائر معاملاتهم ، لكنهم يغلط عليهم بوجيع الأدب ،
و شديد الزجر و الهجر ، حتى يرجعوا عن بدعتهم .
و هذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم ، فقد كان نشأ على زمان الصحابة و بعدهم في
التابعين من قال بهذه الأقوال من القد ر و رأى الخوارج و الاعتزال ، فما أزاحو
لهم قبراً ، و لا قطعوا لأحد منهم ميراثاً ، لكنهم هجروهم و أدبوهم بالضرب و
النفي و القتل على قدر أحوالهم ، لأنه فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين
و أهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافاً لمن رأى غير ذلك . و الله الموفق
للصواب . قال القاضي أبو بكر و أما مسائل الوعد و الوعيد ، و الرؤية و المخلوق
، و خلق الأفعال ، و بقاء الأعراض ، و التولد و شبهها من الدقائق ـ فالمنع في
إكفار المتأولين فيها أوضح ، إذ ليس في الجهل بشيء منها جهل بالله تعالى ، و لا
أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئاً منها .
و قد قدمنا في الفصل قبله من الكلام و صورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته
بحول الله تعالى .
فصل
في حكم الساب إذا كان ذميا
هذا حكم المسلم الساب لله تعالى . و أما الذمي فروي عن عبد الله بن عمر في ذمي
تناول من حرمه الله تعالى غير ما هو عليه من دينه ، و حاج فيه ، فخرج ابن عمر
عليه بالسيف فطلبه فهرب .
و قال مالك في كتاب ابن حبيب و المبسوطة و ابن القاسم في المبسوط ، و كتاب محمد
و ابن سحنون : من شتم الله من اليهود و النصارى بغير الوجه الذي به كفروا قتل و
لم يستتب .
قال ابن القاسم : إلا أن يسلم . قال في المبسوطة : طوعاً .
قال أصبغ : لأن الوجه الذي به كفروا هو دينهم ، و عليه عوهدوا من دعوى الصاحبة
و الشريك و الولد .
و أما غير هذا من الفرية و الشتم فلم يعاهدوا عليه ، فهو نقض للعهد .
قال ابن القاسم في كتاب محمد : و من شتم من غير أهل الأديان الله تعالى بغير
الوجه الذي ذكر في كتابه قتل إلا أن يسلم .
و قال المخزومي في المبسوطة ، و محمد بن سلمة ، و ابن أبي حازم : لا يقتل حتى
يستتاب مسلماً كان أو كافراً ، فإن تاب و إلا قتل.
و قال مطرف و عبد الملك مثل قول مالك .
و قال أبو محمد بن أبي زي د : من سب الله تعالى بغير الوجه الذي به كفر قتل إلا
أن يسلم .
و قد ذكرنا قول ابن الجلاب قبل ، و ذكرنا قول عبيد الله ، و ابن لبابة ، و شيوخ
الأندلسيين في النصرانية و فتياهم بقتلها لسبها ، بالوجه الذي كفرت به ، لله و
للنبي ، و إجماعهم على ذلك ، و هو نحو القول الآخر فيمن سب النبي صلى الله عليه
و سلم منهم بالوجه الذي كفر به ، و لا فرق في ذلك بين سب الله و سب نبيه ، لأنا
عاهدناهم على ألا يظهروا لنا شيئاً من كفرهم ، و ألا يسمعونا شيئاً من ذلك ،
فمتى فعلوا شيئاً منه فهو نقض لعهدهم .
و اختلف العلماء في الذمي إذا تزندق ، فقال مالك ، و مطرف ، وابن عبد الحكم ، و
أصيغ : لا يقتل ، لأنه خرج من كفر إلى كفر .
و قال عبد الملأ بن الماجشون : يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد ، و لا تؤخذ عليه
جزية .
فصل
في مفترى الكذب على الله تبارك و تعالى بادعاء الإلهية
هذا حكم من صرح بسبه و إضافة ما لا يليق بجلاله و إلاهيته ، فأما مفتري الكذب
عليه تبارك و تعالى بادعاء الإلاهية أو الرسالة أو النافي أن يكون الله خالقه
أو ربه ، أو قال : ليس رب ، أو المتكلم بما لا يعقل من ذلك في سكره أو غمرة
جنونه فلا خلاف في كفر قائل ذلك و مدعيه مع سلامة عقله كما قدمنا ، لكنه تقبل
توبته على المشهور ، و تنفعه إنابته ، و تنجيه من القتل فيئته ، لكنه لا يسلم
من عظيم النكال ، و لا يرفه عن شديد العقاب ، ليكون ذلك زجراً لمثله عن قوله ،
و له عن العودة لكفره أو جهله ، إلا من تكرر منه ذلك ، و عرف استهانته بما أتى
به ، فهو دليل على سوء طويته ، و كذب توبته ، و صار كالزنديق الذي لا نأمن
باطنه ، و لا نقبل رجوعه . و حكم السكران في ذلك حكم الصاحي .
و أما المجنون و المعتوه فما علم أنه قاله من ذلك في حال غمرته و ذهاب ميزه
بالكلية فلا نظر فيه ، و ما فعله من ذلك في حال ميزه و إن لم يكن معه عقله و
سقط تكليفه أدب على ذلك لينزجر عنه ، كما يؤدب على قبائح الأفعال ، و يوالى
أدبه على ذلك حتى يكف عنه ، كما تؤدب البهيمة على سوء الخلق حتى تراض .
و قد حرق علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ادعى له الإلهية ، و قد قتل عبد
الملك بن مروان الحارث المتنبي و صلبه ، و فعل ذلك غير واحد من الخلفاء و
الملوك بأشباههم .
و أجمع علماء و قتهم على صواب فعلهم ، و المخالف في ذلك من كفرهم كافر .
و أجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية و قاضي قضاتها أبو عمر المالكي
على قتل الحلاج و صلبه ، لدعواه الإلهية ، و القول بالحلول ، و قوله : أن الحق
، مع تمسكه في الظاهر بالشريعة ، و لم يقبلوا توبته .
و كذلك حكموا في ابن أبي الغراقيد ، و كان على نحو مذهب الحلاج بعد هذا أيام
الراضي بالله ، و قاضي قضاة بغداد يومئذ أبو الحسين بن أبي عمر المالكي .
و قال ابن عبد الحكم في المبسوط : من تنبأ قتل .
و قال أبو حنيفة و أصحابه : من حجد أن الله تعالى خالقه أو ربه ، أو قال : ليس
لي رب ، فهو مرتد .
و قال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب ، و محمد في العتيبة فيمن تنبأ يستتاب أسر
ذلك أو أعلنه ، و هو كالمرتد .
و قال سحنون و غيره ، و قاله أشهب في يهودي تنبأ ، و ادعى أنه رسول إلينا إن
كان معلناً بذلك استتيب ، فإن تاب و إل ا قتل .
و قال أبو محمد بن أبي زيد فيمن لعن بارئه ، و ادعى أن لسانه زل ، و إنما أراد
لعن الشيطان ـ يقتل بكفره ، و لا يقبل عذره .
و هذا على القول الآخر من أنه لا تقبل توبته .
و قال أبو الحسن القابسي في سكران ، قال : أنا الله ، أنا الله ، إن تاب أدب ،
فإن عاد إلى مثل قوله طولب مطالبة الزنديق ، لأن هذا كفر المتلاعبين .
فصل
فيمن تكلم بسقط القول و سخف اللفظ ، ممن لم يضبط كلامه
و أما من تكلم من سقط القول و سخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه و أهمل لسانه بما
يقتضي الاستخاف بعظمة ربه و جلالة مولاه ، أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ما عظم
الله من ملكوته ، أو نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير
قاصد للكفر و الاستخفاف ، و لا عامد للإلحاد ، فإن تكرر هذا منه ، وعرف به ، دل
على تلاعبه بدينه ، و استخفافه بحرمة ربه ، و جهله بعظيم عزته و كبريائه ، و
هذا كفر لا مرية فيه .
و كذلك إن كان ما أورده يوجب الاستخفاف و التنقص لربه .
و قد أفتى ابن حبيب و أصبغ بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بابن أخي عجب ،
و كان خرج يوماً ، فأخذه المطر ، بدأ الخراز يرش جلوده .
و كان بعض الفقهاء بها : أبو زيد صاحب الثمانية ، و عبد الأعلى بن وهب ، و أبان
بن عيسى ، قد توقفوا عن سفك دمه ، و أشاروا إلى أنه عبث من القول يكفي فيه
الأدب .
و أفتى بمثله القاضي حينئذ موسى بن زياد ، فقال ابن حبيب : دمه في عنقي ، أيشتم
رب عبدناه ، ثم لا ننتصر له ، إنا إذاً لعبيد سوء ، و ما نحن له بعابدين ، و
بكى و رفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرح من بن الحكم الأموي .
و كان عجب عمة هذا المطلوب من حظاياه ، و أعلم باختلاف الفقهاء ، فخرج الإذن من
عنده بالأخذ بقول ابن حبيب و صاحبه ، و أمر بقتله ، فقتل و صلب بحضرة الفقهين ،
و عزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة ، و وبخ بقية الفقهاء و سبهم .
و أما من صدرت عنه من ذلك الهنة الواحدة و الفلتة الشاردة ، ما لم تكن تنقصاً و
إزراء ـ فيعاقب عليها و يؤدب بقدر مقتضاها و شنعة معناها ، و صورة حال قائلها ،
و شرح سببها و مقارنها .
و قد سئل ابن القاسم رحمه الله عن رجل نادى رجلاً باسمه ، فأجابه : لبيك ،
اللهم لبيك .
قال : إن كان جاهلاً ، أو قاله على وجه سفه فلا شيء عليه .
قال : القاضي أبو الفضل : و شرح قوله أنه لا قتل عليه ، و الجاهل يزجر و يعلم ،
و السفيه يؤدب ، و لو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه لكفر.
هذا مقتضى قوله .
و قد أسرف كثير من سخفاء الشعراء و متهميهم في هذا الباب ، و استخفوا عظيم هذه
الحرمة ، فأتوا من ذلك بما ننزه كتابنا و لساننا و أقلامنا عن ذكره ، و لولا
أنا قصدنا نص مسائل حكيناها ما ذكرنا شيئاً مما يثقل ذكره علينا مما حكيناه في
هذه الفصول .
فأما ما ورد في هذا من أهل الجهالة و أغاليط اللسان ، كقوله بعض الأعراب :
رب العباد ما لنا و مالكا قد كنت تسقينا فما بدا لكا
أنزل علينا الغيث لا أبا لكا
في أشباه لهذا من كلام الجهال .
و من لم يقومه ثقاف تأديب الشريعة و العلم في هذا الباب ، فقل ما يصدر إلا من
جاهل يجب تعليمه و زجره و الإغلاط له عن العودة إلى مثله .
قال أبو سليمان الخطابي : و هذا تهور من القول ، ، و الله منزه عن هذه الأمور .
و قد روينا عن بن عبد الله أنه قال : ليعظم أحدكم ربه أن يذكر اسمه في كل شيء
حتى يقول : أخزي الله الكلب ، و فعل به كذا و كذا .
قال : و كان بعض من أدركنا من مشايخنا قل ما يذكر اسم الله تعالى إلا فيما يتصل
بطاعته . و كان يقول للإنسان : جزيت خيراً . و قل ما يقول : جزاك الله خيراً ،
إعظاماً لاسمه تعالى أن يمتهن في غيره قربة .
و حدثنا الثقة أن الإمام أبا بكر الشاشي كان يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم
فيه تعالى و في ذكر صفاته ، إجلالاً لاسمه تعالى و يقول : هؤلاء يتمندلون بالله
عز و جل .
و ينزل الكلام في هذا الباب تنزيله في باب ساب النبي صلى الله عليه و سلم على
الوجوه التي فصلناها . و الله الموفق .
فصل
في حكم من سب سائر أنبياء الله تعالى و ملائكته و استخف بهم أو كذبهم
و حكم من سب سائر أنبياء الله تعالى و ملائكته ، و استخف بهم أو كذبهم فيما
أتوا به ، أو أنكرهم و جحدهم ، و حكم نبينا صلى الله عليه و سلم على مساق ما
قدمناه ، قال الله تعالى : إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين
الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا *
أولئك هم الكافرون حقا [ سورة النساء / 4 ، الآيتان : 150 ، 151 ] .
و قال تعالى : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق
بين أحد منهم ونحن له مسلمون [ سورة البقرة / 2 ، الآية : 136 ] .
و قال : كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله [ سورة
البقرة / 2 ، الآية : 285 ] .
قال مالك في كتاب ابن حبيب و محمد ، و قال ابن القاسم ، و ابن الماجشون و ابن
عبد الحكم و أصبغ و سحنون فيمن شتم الأنبياء أو أحداً منهم أو تنقصه قتل و لم
يستتب . و من سبهم من أهل الذمة قتل إلا أن يسلم .
و روى سحنون عن ابن القاسم : من سب الأنبياء من اليهود أو النصارى بغير الوجه
الذي بي كفر ضرب عنقه إلا أن يسلم .
و قد تقدم الخلاف في هذا الأصل .
و قال القاضي بقرطبة سعيد ابن سليمان في بعض أجوبته : من سب الله و ملائكته قتل
.
و قال سحنون : من شتم ملكاً من الملائكة فعليه القتل .
و في النوادر عن مالك فيمن قال : إن جبريل أخطأ بالوحي ، و إنما كان النبي علي
بن أبي طالب استتيب ، فإن تاب و إلا قتل .
و نحوه عن سحنون . و هذا قول الغرابية من الروافض ، سموا بذلك لقولهم : كان
النبي صلى الله عليه و سلم أشبه بعلي من الغراب بالغراب .
و قال أبو حنيفة و أصحابه على أصلهم : من كذب بأحد من الأنبياء ، أو تنقص أحداً
منهم ، أو برىء منه فهو مرتد .
و قال أبو الحسن القابسي في الذي قال لآخر ، كأنه وجه مالك القضبان ، لو عرف
أنه قصد ذم الملك قتل .
قال القاضي أبو الفضل : و هذا كله فيمن تكلم فيهم بما قلناه علىجملة الملائكة و
النبيين ، أو على معين ممن حققنا كونه من الملائكة و النبيين ممن نص الله عليه
في كتابه ،أو حققنا علمه بالخبر المتواتر ، و ال مشتهر المتفق عليه بالإجماع
القاطع ، كجبريل ، و ميكائيل ، و مالك ، و خزنة الجنة ، و جهنم و الزبانيه ، و
حملةالعرش المذكورين في القرآن من الملائكة ، و من سمي فيه من الأنبياء ، و
كعزرائيل ، و إسرافيل ، و رضوان ، و الحفظة ، و منكر و نكير من الملائكة المتفق
على قبول الخبر بهما ، فأما من لم تثبت الأخبار بتعينه ، و لا وقع الإجماع على
كونه من الملائكة أو الأنبياء ، كهاروت و ماروت في الملائكة و الخضر ، و لقمان
، و ذي القرنين ، و مريم ، و آسية ، و خالد ابن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس
، و زرادشت الذي يدعي المجوس المؤرخون نبوته ، فليس الحكم في سابهم و الكافر
بهم كالحكم فيمن قدمناه إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة ، و لكن يزجر من تنقصهم
وآذاهم ، و يؤدب بقدر حال المقول فيهم ، لا سيما من عرفت صديقيته و فضله منهم ،
و إن لم تثبت نبوته .
و أما إنكار نبوتهم أو كون الآخر من الملائكة فإن كان المتكلم في ذلك من أهل
العلم فلا حرج لا ختلاف العلماء في ذلك ، و إن كان من عوام الناس زجر عن الخوض
في مثل هذا ، فإن عاد أدب ، إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا .
و قد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل لأهل العل م ، فكيف للعامة
.
فصل
في حكم من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء فيه ، أو سبهما
اعلم أن من استخف بالقرآن أو الصحف أو بشيء منه ، أو سبهما ،أو جحده ، أو حرفاً
منه أو آية أو كذب به أو بشيء منه ،أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر ،
أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك ، أو شك في شيء من ذلك فهو
كافر عند أهل العلم بإجماع ، قال الله تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه تنزيل من حكيم حميد [ سورة فصلت /41 ، الآية : 42 ] .
حدثنا الفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد رحمه الله ، حدثنا أبو علي ، حدثنا ابن
عبد البر ، حدثنا ابن عبد المؤمن ، حدثنا ابن داسة ، حدثنا أبو داود ، حدثنا
أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي
هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : المراء في القرآن كفر ، تؤول بمعنى
الشك و بمعنى الجدال و عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه و سلم من جحد آية
من كتاب الله من المسلمين فقد حل ضرب عنقه و كذلك إن جحد التوراة و الإنجيل و
كتب الله المنزلة ،أو كفر بها ، أو لعنها ، أو سبها ،أو استخف بها فهو كافر .
و قد أجمع المس لمون أن القرآن المتلو في جمبع أقطار الأرض المكتوب في المصحف
بأيدي المسلمين ، مما جمعه الدفتان من أول الحمد لله رب العالمين إلى آخر : قل
أعوذ برب الناس أنه كلام الله و وحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم
، و أن جميع ما فيه حق ، و أن من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك ،أو بدله بحرف آخر
مكانه ، أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه ، و
أجمع على انه ليس من القرآن عامداً لكل هذا ـ أنه كافر .
و لهذا رأى مالك قتل من سب عائشة رضي الله عنها بالفرية ، لأنه خالف القرآن ، و
من خالف القرآن قتل ، لأنه كذب بما فيه .
و قال ابن القاسم كان منا إن الله تعالى لم يكلم موسى تكليماً يقتل ، و قاله
عبد الرحمن بن مهدي .
و قال محمد بن سحنون فيمن قال : المعوذتان ليستا من كتاب الله يضرب عتقه إلا أن
يتوب .
و كذلك كل من كذب بحرف منه . قال : و كذلك إن شهد شاهد على من قال : إن الله لم
يكلم موسى تكليماً ، و شهد آخر عليه أنه قال : إن الله ما اتخذ إبراهيم خليلاً
، لأنهما اجتمعا علىأنه كذب النبي صلى الله عليه و سلم .
و قال أبو عثمان بن الحداد : جميع من ينت حل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف من
التنزيل كفر .
و كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل له ليس كما فرأت ، و يقول : أما أنا
فأقرأ كذا ، فبلغ ذلك إبراهيم ، فقال : أراه سمع أنه من كفر بحرف منه فقد كفر
به كله .
و قال أصبغ بن الفرج كان من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله ، و من كذب به فقد
كفر به و من كفر به فقد كفر با الله .
و قد سئل القابسي عمن خاصم يهودياً فحلف له بالتوراة ، فقال الآخر لعن الله
التوراة ، فشهد عليه بذلك شاهد ، ثم شهد آخر أنه سأله عن القضية فقال : إنما
لعنت توراة اليهود ، فقال أبو الحسن : الشاهد الواحد لا يوجب القتل ، و الثاني
علق الأمر بصفة تحتمل التأويل ، إذ لعله لا يرى اليهود متمسكين بشيء من عند
الله لتبديلهم و تحريفهم .
و لو اتفق الشاهدان على لعن التوراة مجرداً لضاق التأويل .
و قد اتفق فقهاء بغداد على استتابه ابن شنبوذ المقريءأحد أئمة المقرئين
المتصدرين بها مع ابن مجاهد ، لقراءته و إقرائه بشواذ من الحروف مما ليس في
المصحف ، و عقدوا عليه بالرجوع عنه و التوبة عنه سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه
في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة ، و ك ان فيمن
أفتى عليه بذلك أبو بكر الأبهري و غيره .
و أفتى أبو محمد بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي : لعن الله معلمك و ما علمك .
قال : أردت سوء الأدب ، و لم أرد القرآن .
قال أبو محمد : و أما من لعن المصحف فإنه يقتل .
فصل
في حكم ساب آل بيت النبي
و سب آل بيته و أزواجه و أصحابه صلى الله عليه و سلم و تنقصهم حرام ملعون فاعله
.
حدثنا القاضي الشهيدأبو علي رحمه الله ، حدثنا أبو الحسين الصيرفي و أبو الفضل
العدل ، حدثنا أبو يعلى ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا ابن محبوب ، حدثنا
الترمذي ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا عبيدة بن أبي
رابطة ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه و سلم : الله ، الله في أصحابي ، قيل لا تتخذوهم غرضاً بعدي ،
فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، و من أبغضهم فببغضي أبغضهم ، و من آذاهم فقد آذاني ، و
من آذاني فقد آذى الله ، و من آذى الله يوشك أن يأخذه .
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تسبوا أصحابي ، فمن سبهم فعليه لعنة
الله و الملائكة و الناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً و لا عدلاً .
و قال صلى الله عليه و سلم : لا تسبوا أصحابي ، فإنه يجيء قوم في آخر الزمان
يسبون أصحابي فلا تصلوا عليهم ، و لا تصلوا معهم ، و لا تناكحوهم ، و لا
تجالسوهم ، وإن مرضوا فلا تعودوهم .
وعنه صلى الله عليه و سلم : من سب أصحابي فاضربوه .
وقد أعلم النبي صلى الله عليه و سلم أن سبهم وأذاهم يؤذيه ، وأذى النبي صلى
الله عليه و سلم حرام ، فقال : لا تؤذوني في أصحابي ، و من آذاهم فقد آذاني .
و قال : لا تؤذوني في عائشة .
و قال ـ في فاطمة : بضعة مني يؤذيني ما آذاها .
و قد اختلف العلماء في هذا ، فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع ؟
قال مالك رحمه الله : من شتم النبي صلى الله عليه و سلم قتل ، ومن شتم أصحابه
أدب .
و قال أيضاً : من شتم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : أبا بكر ، أو
عمر ، أو عثمان ، أو معاوية ، أو عمرو بن العاص ، فإن قال : كانوا على ضلال
وكفر قتل ، و إن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالاً شديداً .
و قال ابن حبيب : من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان و البراءة منه أدب أدباً
شديداً ، و من زاد إلى بعض أبي بكر و عمر فالعقوبة عليه أشد ، و يكرر ضربه ، و
يطال سجنه حتى يموت ، و لا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه و سلم
.
و قال سحنون : من كفر أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : علياً ، أو
عثمان ، أو غيرهما ـ يوجع ضربا ً .
وحكى أبو محمد بن أبي يزيد ، عن سحنون : من قال في أبي بكر و عمر و عثمان و علي
: إنهم كانوا على ضلالة و كفر قتل . و من شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل
النكال الشديد .
وروي عن مالك : من سب أبا بكر جلد ، و من سب عائشة قتل . قيل له : لم ؟ قال :
من رماها فقد خالف القرآن .
و قال ابن شعبان عنه : لأن الله يقول : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن
كنتم مؤمنين ، فمن عاد لمثله فقد كفر .
وحكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر بن الطيب قال : إن الله تعالى إذا ذكر
في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه ، كقوله : وقالوا اتخذ الرحمن
ولدا سبحانه ... في آي كثيرة .
و ذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال : ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون
لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ـ سبح نفسه في تبرئتها من السوء ، كما
سبح نفسه في تبرئته من السوء .
و هذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة .
و معنى هذا ، و الله أعلم ، أن الله ، لما عظم سبها كما عظم سبه ، و كن سبها
سباً لنبيه ، و قرن سب نبيه و أذاه بأذاه تعالى ، و كان حكم مؤذيه تعالى القت ل
كان مؤذي نبيه كذلك كما قدمناه .
و شتم رجل عائشة بالكوفة ، فقدم إلى موسى بن عيسى العباسي ، فقال : من حضر هذا
؟ فقال ابن أبي ليلى : أنا ، فجلده ثمانين ، وحلق رأسه ، وأسلمه إلى الحجامين .
[ وروي عن عمر بن الخطاب أنه نذر قطع لسان عبيد الله بن عمر ، إذ شتم المقداد
بن الأسود ، فكلم في ذلك ، فقال : دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحد بعد أصحاب
النبي صلى الله عليه و سلم ] .
وروى أبو ذر الهروي أن عمر بن الخطاب أتي بأعرابي يهجو الأنصار ، فقال : لولا
أن له صحبة لكفيتموه .
قال مالك : من انتقص أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فليس له في هذا
الفيء حق ، قد قسم الله الفيء في ثلاثة أنصاف ، فقال : للفقراء المهاجرين الذين
أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله
أولئك هم الصادقون [ سورة الحشر/ 59 ، الآية : 8 ] .
ثم قال : والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون
في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ سورة الحشر /
59 ، الآية : 9 ] .
و هؤلاء هم الأنصار .
ثم قال : والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم [ سورة الحشر
/ 59 ، الآية : 10 ] .
فمن تنقصهم فلا حق له في فيء المسلمين .
و في كتاب ابن شعبان : من قال في واحد منهم إنه ابن زانية وأمه مسلمة حد عند
بعض أصحابنا حدين : حداً له ، و حداً لأمه ، و لا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة
لفضل هذا على غيره ، و لقوله صلى الله عليه و سلم : من سب أصحابي فاجلدوه ، قال
: و من قذف أم أحدهم و هي كافرة حد حد الفرية ، لأنه سب له ، فإن كان أحد من
ولد هذا الصحابي حياً قام بما يجب له ، و إلا فمن قام به من المسلمين كان على
الإمام قبول قيامه ، قال : و ليس هذا كحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء بنبيهم صلى
الله عليه و سلم ، و لو سمعه الإمام ، و أشهد عليه ، كان ولي القيام به ، قال :
و من سب غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم ففيها قولان :
أحدهما : يقتل ، لأنه سب النبي صلى الله عليه و سلم بسب حليلته .
و الآخر : أنها كسائر الصحابة ، يجلد حد المفتري ، ، قال : و بالأول أقول .
و روى أبو مصعب ، عن مالك ـ فيمن انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه و سلم يضرب
ضرباً وجيعاً ، ويشهر ، ويحبس طويلاً حتى تظهر توبته ، لأنه استخفاف بحق الرسول
صلى الله عليه و سلم .
و أفتى أبو المطرف الشعبي فقيه مالقة في رجل أنكر تلحيف امرأة بالليل ، و قال :
لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفت إلا بالنهار ، و صوب قوله بعض المتسمين
بالفقه ، فقال أبو المطرف : ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب
الشديد و السجن الطويل .
و الفقيه الذي صوب قوله أحق باسم الفسق من اسم الفقه ، فيتقدم له في ذلك ، و
يزجر ، و لا تقبل فتواه ولا شهادته ، و هي جرحة ثابتة فيه ، و يبغض في الله .
[ و قال أبو عمران في رجل قال : لو شهد علي أبو بكر الصديق : أنه إن كان في مثل
هذا لا يجوز فيه الشاهد الوحد ، فلا شيء عليه ، و إن كان أراد غير هذا فيضرب
ضرباً يبلغ به حد الموت ] ، و ذكروها رواية .
قال القاضي أبو الفضل : هنا انتهى القول بنا فيما حررناه ، و انتجز الغرض الذي
انتحيناه ، و استوفى الشرط الذي شرطناه ، مما أرجو أن يكون في كل قسم منه
للمريد مقنع ، و في كل باب منهج إلى بغيته و منزع .
و قد سفرت فيه عن نكت تستغرب و تستبدع ، و كرعت في مشارب من التحقيق لم يورد
لها قبل في أكثر التصانيف مشرع ، و أودعته غير ما فصل ، وددت لو وجدت من بسط
قبلي الكلام فيه ، أو مقتدى يفيدنيه عن كتاب أو فيه ، لأكتفي بما أرويه عما
أرويه .
و إلى الله تعالى جزيل الضراعة في المنة بقبول ما منه لوجهه ، و العفو عما
تخلله من تزين و تصنع لغيره ، و أن يهب لنا ذلك بجميل كرمه و عفوه لما أو دعناه
من شرف مصطفاه ، و أمين وحيه ، و أسهرنا به جفوننا لتتبع فضائله ، و أعملنا فيه
خواطرنا من إبراز خصائصه و وسائله ، و يحمي أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا
كريم عرضه ، و يجعلنا
ممن لا يذاد إذا ذيد المبدل عن حوضه ، و يجعله لنا و لمن تهمم باكتتابه و
اكتسابه سبباً يصلنا بأسببابه ، و ذخيرة نجدها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير و
حضراً نحوز بها رضاه ، و جزيل ثوابه ، و يخصنا بخصيصي زمرة نبينا وجماعته ، و
يحشرنا في الرعيل الأول و أهل الباب الأيمن من أهل شفاعته ، و نحمده تعالى على
ما هدى إليه من جمعه و ألهم ، و فتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه و فهم ، و
نستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع ، و علم لا ينفع ، و عمل لا يرفع ، فهم الجواد
الذي لا يخيب من أمله ، ولا ينتصر من خذله ، و لا يرد دعوة القاصدين ، و لا
يصلح عمل المفسدين ، و هو حسبنا و نعم الوكيل ، و صلاته على سيدنا ونبينا محمد
خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلم تسليماً كثيراً .