الباب الثاني

في حكم سابه و شاتمه و متنقصه و مؤذيه و عقوبته

قد قدمنا ما هو سب و أذى في حقه صلى الله عليه و سلم ، و ذكرنا إجماع العلماء على قتل فاعل ذلك و قائله ، أو تخيير الإمام في قتله أو صلبه على ما ذكرناه ، و قررنا الحجج عليه .
و بعد فاعلم أن مشهور مذهب مالك و أصحابه ، و قول السلف و جمهور العلماء قتله حداً لا كفراً إن أظهر التوبة منه ، و لهذا لا تقبل عندهم توبته ، و لا تنفعه استقالته و لا فيئته كما قدمناه قبل ، و حكمه حكم الزنديق ، و مسر الكفر في هذا القول ، و سواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة على قوله ، أو جاء تائباً من قبل نفسه ، لأنه حد لا تسقطه التوبة كسائر الحدود .
قال الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله : إذا أقر بالسب ، و تاب منه ، و أظهر التوبة ـ قتل بالسب ، لأنه هو حده .
 و قال أبو محمد بن أبي زيد في مثله ، و أما ما بينه و بين الله فتوبته تنفعه .
و قال ابن سحنون : من شتم النبي صلى الله عليه و سلم من الموحدين ، ثم تاب عن ذلك لم تزل توبته عنه القتل .
و كذلك قد اختلف في الزنديق إذا جاء تائباً ، فحكى القاضي أبو الحسن بن القصار في ذ لك قولين :
قال : من شيوخنا من قال : أقتله بإقراره ، لأنه كان يقدر على ستر نفسه ، فلما اعترف خفنا أنه خشي الظهور عليه فبادر لذلك .
و منهم من قال : أقبل توبته ، لأني أستبدل على صحتها بمجيئه ، فكأننا وقفنا على باطنه ، بخلاف من أسرته البينة .
قال القاضي أبو الفضل : و هذا قول أصبغ ، و مسألة ساب النبي صلى الله عليه و سلم أقوى ، لا يتصور فيها الخلاف على الأصل المتقدم ، لأنه حق متعلق للنبي صلى الله عليه و سلم و لأمته بسبه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين .
و الزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك ، و الليث ، و إسحاق ، و أحمد ، لا تقبل توبته .
و عند الشافعي تقبل .
و اختلف فيه أبي حنيفة و أبي يوسف .
و حكى ابن المنذر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : يستتاب .
قال محمد بن سحنون : و لم يزل القتل عن المسلم بالتوبة من سبه صلى الله عليه و سلم ، لأنه لم ينتقل من دين إلى غيره ، و إنما فعل شيئاً حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحد ، كالزنديق ، لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر .
و قال القاضي أبو محمد بن نصر محتجاً لسقوط اعتبار توبته : و الفرق بينه و ب ين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابته ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم بشر ، و البشر جنس تلحقه المعرة إلا من أكرمه الله بنبوته ، و البارئ تعالى منزه عن جميع المعايب قطعاً ، و ليس من جنس تلحق المعرة بجنسه ، و ليس سبه صلى الله عليه و سلم كالارتداد المقبول فيه التوبة ، لأن الارتداد معنى ينفرد به المرتد ، لا حق فيه لغيره من الآدميين ، فقبلت توبته . و من سب النبي صلى الله عليه و سلم تعلق فيه حق لآدمي ، فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده أو يقذف ، فإن توبته لا تسقط عند حد القتل و القذف .
و أيضاً فإن توبة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من زنا و سرقة و غيرها ، و لم يقتل ساب النبي صلى الله عليه و سلم لكفره ، لكن لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته و زوال المعرة به ، و ذلك لا تسقطه التوبة .
قال القاضي أبو الفضل : يريد ـ و الله أعلم : لأن سبه لم يكن بكلمة تقتضي الكفر ، و لكن بمعنى الإزراء و الإستخفاف ، أو لأن بتوبته و إظهار إنابته ارتفع عنه اسم الكفر ظاهراً ، و الله أعلم بسريرته ، و بقي حكم السب عليه .
[ و قال أبو عمران القابسي : من سب النبي صلى الله عليه و سلم ، ثم ارتد عن الإسلام قتل و ل م يستتب ، لأن السب من حقوق الآدميين التي لا تسقط عن المرتد ] . و كلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله ، حداً لا كفراً ، و هو يحتاج إلى تفصيل .
و أما على رواية الوليد بن مسلم عن مالك وافقه على ذلك ممن ذكرناه و قال به من أهل العلم ـ فقد صرحوا أنه ردة ، قالوا : و يستتاب منها ، فإن تاب نكل ، و إن أبى قتل ، فحكم له بحكم المرتد مطلقا في هذا الوجه .
و الوجه الأول أشهر و أظهر لما قدمناه ، و نحن نبسط الكلام فيه ، فنقول:
من لم يره رده فهو يوجب القتل فيه حداً ، و إنما نقول ذلك مع فصلين : إما مع إنكاره ما شهد به عليه ، و إظهاره الإقلاع و التوبة عنه ، فنقتله حداً لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي صلى الله عليه و سلم ، و تحقيره ما عظم الله من حقه ، و أجرينا حكمه في ميرائه ، و غير ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه و أنكر أو تاب .
فإن قيل : فكيف تثبتون عليه الكفر ، و يشهد عليه [ بكلمة الكفر ] و لا تحكمون عليه بحكمه من الاستتابة و توابعها !
قلنا : نحن و إن أثبتنا له حكم الكافر فلا نقطع عليه بذلك ، لإقراره بالتوحيد و النبوة ، و إنكاره ما شهد به عليه ، أو زعمه أن ذلك كان منه وهلاً و معص يةً ، و أنه مقلع عن ذلك نادم عليه ، و لا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر على بعض الأشخاص و إن لم تثبت له خصائصه ، كقتل الصلاة .
و أما من علم أنه سبه معتقداً استحلاله فلا شك في كفره بذلك .
و كذلك إن كان سبه في نفسه كفر ، كتكذيبه أو تكفيره و نحوه ، فهذا مما لا إشكال فيه ، و يقتل و إن تاب منه ، لأنا لا نقبل توبته ، و نقتله بعد التوبة حداً ، لقوله ، و متقدم كفره ، و أرمه بعد إلى الله المطلع على صحة إقلاعه ، العالم بسره .
و كذلك من لم يظهر التوبة ، و اعتراف بما شهد به عليه ، و صمم عليه ـ فهذا كافر بقوله و باستحلاله . هتك حرمة الله و حرمة نبيه صلى الله عليه و سلم يقتل كافراً بلا خلاف .
فعلى هذه التفصيلات خذ كلام العلماء ، و نزل مختلف عباراتهم في الاحتجاج عليها ، و أجر اختلافهم في الموارثة و غيرها على ترتيبها تتضح لك مقاصدهم إن شاء الله تعالى .

فصل
استتابة الساب و الشاتم كالاستتابة للمرتد

إذا قلنا بالاستتابة حيث تصح فالاختلاف فيها على الاختلاف في توبة المرتد ، إذ لا فرق .
و قد اختلف السلف في وجوبها و صورتها و مدتها ، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن المرتد يستتاب .
و حكى ابن القصار أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة ، و لم ينكره واحد منهم ، و هو قول عثمان ، و علي ، و ابن مسعود ، و به قال عطاء بن أبي رباح ، و النخعي ، و الثوري ، و مالك ، و أصحابه ، و الأوزاعي ، و الشافعي ، و أحمد ، و إسحاق ، و أصحاب الرأي .
و ذهب طاوس ، محمد بن الحسن ، و عبيد بن عمير ، و الحسن في إحدى الروايتين عنه ـ أنه لا يستتاب ، و قاله عبد العزيز بن أبي سلمة ، و ذكره عن معاذ ، و أنكره سحنون عن معاذ ، و حكاه الطحاوي عن أبي يوسف ، و هو قول أهل الظاهر ، قالوا : و تنفعه توبته عند الله ، و لكن لا ندرأ القتل عنه ، لقوله صلى الله عليه و سلم ، من بدل دينه فاقتلوه .
و حكي أيضاً عن عطاء : إن كان ممن ولد في الإسلام لم يستتب ، و يستتاب الإسلامي .
و جمهور العلماء على أن المرتد و المر تدة في ذلك سواء .
و روي عن علي رضي الله عنه : لا تقل المرتدة ، و تسترق ، و قاله عطاء ، و قتادة .
و روي عن ابن عباس : لا تقتل النساء في الردة ، و به قال أبو حنيفة .
قال مالك : و الحر و العبد و الذكر و الأنثى في ذلك سواء .
و أما مدتها فمذهب الجمهور ، و روي عن عمر ، أنه يستتاب ثلاثة أيام يحبس فيها ، و قد اختلف فيه عن عمر ، و هو أحد قولي الشافعي ، و قول أحمد ، و إسحاق ، و استحسنه مالك ، و قال : لا يأتي الاستظهار إلا بخير ، و ليس عليه جماعة الناس ..
قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد : يريد في الاستثناء ثلاثاً .
و قال مالك أيضاً : أخذ به في المرتد قول عمر : يحبس ثلاثة أيام ، و يعرض عليه كل يوم ، فإن تاب و إلا قتل .
و قال أبو الحسن بن القصار في تأخيره ثلاثاً روايتان عن مالك : هل ذلك واجب أو مستحب ؟ و استحسن الاستتابة و الاستيناء ثلاثاً أصحاب الرأي .
و روي عن أبي بكر الصديق أنه استتاب امرأة فلم تتب فقتلها ، و قاله الشافعي مرة ، فقال : إن لم يتب قتل مكانه . و استحسنه المزني .
و قال الزهري : يدعى إلى الإسلام ثلاث مر ات ، فإن أبى قتل .
و روي عن علي رضي الله عنه : يستتاب شهرين . و قال النخعي : يستتاب أبداً ، و به أخذ الثوري ما رجيت توبته . و حكى ابن القصار عن أبي حنيفة ـ أنه يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام أو ثلاث جمع كل يوم أو جمعة مرة .
و في كتاب محمد ، عن القاسم : يدعى المرتد إلى الإسلام ثلاث مرات ، فإن أبى ضربت عنقه .
و اختلف على هذا هل يهدد أو يشدد عليه أيام الاستتابة ليتوب أم لا ؟ فقال مالك : ما علمت في الاستتابة تجويعاً و لا تعطشاً ، و يؤتى من الطعام بما لا يضره .
و قال أصبغ : يخوف أيام الاستتابة بالقتل ، و يعرض عليه الإسلام .
و في كتاب أبي الحسن الطابثي : يوعظ في تلك الأيام ، و يذكر بالجنة ، و يخوف بالنار .
قال أصبغ : و أي المواضع حبس فيها من السجون مع الناس أو وحده إذا استوثق منه سواء ، و يوقف ماله إذا خيف أن يتلفه على المسلمين ، و يطعم منه ، و يسقى .
و كذلك يستتاب كلما رجع و ارتد أبداً ، و قد استتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم نبهان الذي ارتد أربع مرات أو خمساً .
و قال ابن وهب ، عن مالك : يستتاب أبداً كلما رجع ، و هو قول الشافعي ، و أحمد ، و قاله ابن القاسم .
و قال إسحاق : يقتل في الرابعة .
و قال أصحاب الرأي : إن لم يتب في الرابعة قتل دون استتابة ، و إن تاب ضرب ضرباً وجيعاً ، و لم يخرج من السجن حتى يظهر عليه خشوع التوبة .
قال ابن المنذر : و لا نعلم أحداً أوجب على المرتد في المرة الأولى أدباً إذا رجع . و هو على مذهب مالك و الشافعي و الكوفي .

فصل
في حكم من لم تتم الشهادة عليه ..

هذا حكم من ثبت عليه ذلك بما يجب ثبوته من إقرار أو عدول لم يدفع فيهم ، فأما من لم تتم الشهادة عليه بما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس ، أو ثبت قوله لكن احتمل و لم يكن صريحاً .
و كذلك إن تاب على القول بقبول توبته فهذا يدرأ عنه القتل ، و يتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله ، و قوة الشهادة عليه ، و ضعفها ، و كثرة السماع عنه ، و صورة حاله من التهمة في الدين و النبر بالسفه و المجون ، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من التضيق في السجن ، و الشد في القيود إلى الغاية التي [ 262 ] هي منتهى طاقته لما لا يمنعه القيام لضرورته ، و لا يقعده عن صلاته ، و هو حكم كل من وجب عليه القتل ، لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه ، و تربص به لإشكال و عائق اقتضاه أمره ، و حالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله .
و قد روى الوليد عن مالك و الأوزاعي أنها ردة ، فإذا تاب نكل .
و لمالك في العتبية و كتاب محمد ، من رواية أشهب : إذا تاب المرتد فلا عقوبة عليه و قاله سحنون .
و أفتى أبو عبد الله بن عتاب فيمن سب النبي صلى الله عليه و سلم ، فشهد عليه شاهدان ع دل أحدهما ـ بالأدب الموجع و التنكيل و السجن الطويل حتى تظهر توبته .
و قال القابسي في مثل هذا : و من كان أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبع أن يطلق من السجن ، و يستطال سجنه ، و لو كان فيه من المدة ما عسى أن يقيم ، و يحمل عليه من القيد ما يطيق .
و قال في مثله ممن أشكل أمره : يشد في القيود شداً ، ، و يضيق عليه في السجن حتى ينظر فيما يجب عليه .
و قال في مسألة أخرى مثلها : و لا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح ، و في الأدب بالسوط و السجن نكال للسفهاء ، و يعاقب عقوبة شديدة ، فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين ، و أثبت من عداوتهما أو جرحتهما ما أسقطهما عنه ، و لم يسمع ذلك من غيرها فأمره أخف لسقوط الحكم عنه ، و كأنه لم يشهد عليه ، إلا أن يكون مما لا يليق به ذلك ، و يكون الشاهدان من أهل التبريز فأسقطهما بعداوة ، فهو و إن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع الظن صدقهما ، و للحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد .
و الله ولي الإرشاد .

فصل
 حكم الذمي إذا صرح بسبه ، أو عرض ..

هذا حكم المسلم ، فأما الذمي إذا صرح بسبه أو عرض ، أو استخف بقدره ،
أو وصفه بغير الوجه الذي ، كفر به ـ فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم ، لأنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا ، و هو قول عامة الفقهاء ، إلا أبا حنيفة و الثوري و أتباعهما من أهل الكوفة ، فإنهم قالوا : لا يقتل ، ما هو عليه من الشرك أعظم ، و لكن يؤدب و يعزز .
و استدل بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى : وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون [ سورة التوبة /9 ، الآية : 12] .
و يستدل عليه أيضاً بقتل النبي صلى الله عليه و سلم لا بن الأشرف و أشباهه ، و لأنا لم نعاهدهم ، و لم نعطهم الذمة على هذا ، و لا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم ، فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد و لا الذمة فقد نقضوا ذمتهم ، و صاروا كفاراً يقتلون لكفرهم .
و أيضاً فإن ذمتهم لا تسقط حدود الإسلام عنهم ، من القطع في سرقة أموالهم ، و القتل لمن قتلوه منهم ، و إن كان ذلك حلالاً عندهم فكذلك سبهم النبي صلى الله عليه و سلم يقتلون به .
و وردت لأصحابنا ظ واهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذمي بالوجه الذي كفر به ، ستقف عليها من كلام ابن القاسم و ابن سحنون بعد .
 و حكى أبو المعصب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين . و اختلفوا إذا سبه ثم أسلم ، فقيل : يسقط إسلامه قتله ، لأن الإسلام يجب ما قبله ، بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب ، لأن نعلم باطنه الكافر في بغضه له ، و تنقصه بقلبه ، لكنا منعناه من إظهاره ، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر ، و نقض للعهد ، فإذا رجع عن دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله ، قال الله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [ سورة الأنفال /8 ، الآية : 38 ] .
و المسلم بخلافه ، إذا كان ظننا يباطنه حكم ظاهره ، و خلاف ما بدا منه الأن ، فلم نقبل بعد رجوعه ، و لا استنمنا إلى باطنه ، إذ قد بدت سرائره ، و ما ثبت عليه من الأحكام باقية عليه لا يسقطها شيء .
و قيل : لا يسقط إسلام الذمي الساب قتله ، لأنه حق النبي صلى الله عليه و سلم وجب عليه ، لانتهاكه حرمته ، و قصده إلحاق النقيصة و المعرة به ، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه ، كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه منقتل و قذف ، و إذا كنا لا نقبل توبة المسلم فإنا لا نقبل توبة الكافر أولى .
و قال مالك في كتاب ابن حبيب و المبسوط ، و ابن القاسم ، و ابن الماجشون ، و ابن عبد الحكم ، و أصبغ ـ فيمن شتم نبيناً من أهل الذمة أو أحداً من الأنبياء عليهم السلام قتل إلا أن يسلم ، و قاله ابن القاسم في العتبية ، و عند محمد ، و ابن سحنون .
و قال سحنون و أصبغ : لا يقال له أسلم ، و لا لا تسلم ، و لكن إن أسلم فذلك له توبة .
و في كتاب محمد : أخبرنا أصحاب مالك أنه قال : منسب رسول الله صلى الله عليه و سلم أو غيره من الأنبياء من مسلم أو كافر قتل و لم يستتب .
و روي لنا عن مالك : إلا أن يسلم الكافر .
و قد روى ابن وهب ، عن ابن عمر ـ أن راهباً تناول النبي صلى الله عليه و سلم ! فقال ابن عمر : فهلاً قتلتموه ! .
و روى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال : إن محمداً لم يرسل إلينا ، إنما أرسل إليكم ، و إنما نبينا موسى أو عيسى ، و نحو هذا : لا شيء عليهم ، لأن الله تعالى أقرهم على مثله .
و أما إن سبه فقال : ليس بنبي ، أو لم يرسل ، أو لم ينزل عليه القرآن ، و إنما شيء تقوله أو نحو هذا فيق تل .
و قال ابن القاسم : و إذا قال النصراني : ديننا خير من دينكم ، و إنما دينكم دين الحمير ، و نحو هذا من القبيح أو سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمداً رسول الله ،
فقال : كذلك يعطيكم الله ، ففي هذا الأدب الموجع و السجن الطويل .
قال : و أما إن شتم النبي صلى الله عليه و سلم وسلم شتماً يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم ، قاله مالك غير مرة ، و لم يقل يستتاب .
قال ابن القاسم : و محمل قوله عندي إن أسلم طائعاً .
و قال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم في اليهودي يقول للمؤذن ، إذا تشهد : كذبت ـ يعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل .
و في النوادر من رواية سحنون عنه : من شتم الأنبياء من اليهود و النصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم .
قال محمد بن سحنون : فإن قيل : لم قتلته في سب النبي صلى الله عليه و سلم و من دينه سبه و تكذيبه ؟ قيل : لأنا لم نعطهم العهد على ذلك ، و لا على قتلنا ، و أخذ أموالنا ، فإذا قتل واحد منا قتلناه ، و إن كان من دينه استحلاله ، فكذلك إظهاره لسب نبينا صلى الله عليه و سلم .
قال سحنون : كما لو بذل لنا أهل الحرب الجزية ع لى اقرارهم على سبه لم يجز لنا ذلك في قول قائل .
و كذلك ينتقص عهد من سب منهم ، و يحل لنا دمه فكما لم يحصن الإسلام من سبه من القتل كذلك لا تحصنه الذمة .
قال القاضي أبو الفضل : ما ذكره ابن سحنون عن نفسه و عن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا ، فتأمله .
و يدل على أنه خلاف ما روي عن المدنيين في ذلك ، فحكى أبو المصعب الزهري ، قال : أتيت بنصراني قال : و الذي اصطفى عيسى على محمد ، فاختلف على فيه ، فضربته حتى قتلته ، أو عاش يوماً و ليلة ، و أمرت من جر برجله ، و طرح على مزبلة ، فأكلته الكلاب .
و سئل أبو المصعب عن نصراني قال : عيسى خلق محمداً . فقال : يقتل .
و قال ابن القاسم : سألنا مالكاً عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال : مسكين محمد ، يخبرك أنه في الجنة ، ماله لم ينفع نفسه ! إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه ، لو قتلوه استراح منه الناس .
قال مالك : أرى أن تضرب عنقه .
قال و لقد كدت ألا أتكلم فيها بشيء ، ثم رأيت أنه لا يسعني الصمت .
قال ابن كنانة في المبسوطة : من شتم النبي صلى الله عليه و سلم من اليهود و النصارى فأرى للإمام أ ن يحرقه بالنار ، و إن شاء قتله ثم حرق جثته ، و إن شاء أحرقه بالنار حياً إذا تهافتوا في سبه .
و قد كتب إلى مالك من مصر ـ مسألة ابن قاسم المتقدمة ، قال : فأمرني مالك ، فكتبت بأن يقتل ، و أن يضرب عنقه ، فكتبت ،ثم قلت : يا أبا عبد الله ، و أكتب : ثم يحرق بالنار ؟ فقال كان إنه لحقيق بذلك ، و ما أولاه به .
فكتبته بيدي بين يديه ، فما أنكره و لا عابه ، و نفذت الصحيفة بذلك فقتل و حرق .
و أفتى عبيد الله ابن يحيى و ابن لبابة في جماعة سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية و بنوة عيسى الله ، و بتكذيب محمد في النبوة ، و بقبول إسلامها و درأ القتل عنها به .
و به قال غير واحد من المتأخرين منهم القابسي ، و ابن الكتاب .
و قال أبو القاسم بن الجلاب في كتابه : من سب الله ورسوله من مسلم أو كافر قتل و لا يستتاب .
و حكى القاضي أبو محمد في الذمي يسب ـ روايتين في درء القتل عنه بإسلامه .
و قال ابن سحنون : و حد القذف و شبهه من حقوق العباد لا يسقطه عن الذمي إسلامه ، و إنما يسقط عنه بإسلامه حدود الله .
فأما حد القذف فحق للعباد ، كان ذلك لنبي أو غيره ، فأوجب على الذمي إذا قذف النبي صلى الله عليه و سلم ثم أسلم حد القذف .
و لكن انظر ماذا يجب عليه ؟ هل حد القذف في حق النبي صلى الله عليه و سلم ، و هو القتل لزيادة حرمة النبي صلى الله عليه و سلم على غيره ، أم هل يسقط القتل بإسلامه ، و يحد ثمانين ؟ فتأمله . 

فصل
من ميراث من قتل بسبب النبي ، و غسله ، و الصلاة عليه

اختلف العلماء في ميراث من قتل بسبب النبي صلى الله عليه و سلم ، فذهب سحنون إلى أنه لجماعة المسلمين من قبل أن شتم النبي صلى الله عليه و سلم كفر يشبه كفر الزندقة .
و قال أصبغ : ميراثه لورثته من المسلمين إن كان مستسراً بذلك ، و إن كان مظهراً له مستهلاً به فميراثه للمسلمين ، و يقتل على كل حال و لا يستتاب .
و قال أبو الحسن القابسي : إن قتل و هو منكر للشهادة عليه فالحكم في ميراثه على ما أظهره من إقراره ـ يعني لورثته ، و القتل حد ثبت عليه ليس من الميراث في شيء .
و كذلك لو أقر بالسب و أظهر التوبة لقتل ، إذ هو حده . و حكمه في ميراثه ، و سائر أحكامه حكم الإسلام .
و لو أقر بالسب ، و تمادى عليه ، و أبى التوبة منه ، فقتل على ذلك كان كافراً ، و ميراثه للمسلمين ، و لا يغتسل و لا يصلى عليه ، و لا يكفن و تستر عورته ، و يوارى كما يفعل بالكفار .
و قول الشيخ أبي الحسن في المجاهرالمتمادي بين لا يمكن الخلاف فيه ، لأنه كافر مرتد غير تائب مقلع .
و هو مثل قول أصبغ ، و كذلك في كتاب ابن سحنون في الزنديق يتمادى على قوله .
و مثله لابن القاسم في العتبية و لجماعة من أصحاب مالك في كتاب ابن حبيب فيمن أعلن كفره مثله .
قال ابن القاسم : و حكمه حكم المرتد لا يرثه ورثته من المسلمين ، و لا من أهل الدين الذي ارتد إليه ، و لا تجوز وصاياه و لا عتقه ، و قاله أصبغ ، قتل على ذلك أو مات عليه .
و قال أبو محمد بن أبي زيد : و إنما يختلف في ميراث الزنديق الذي يستهل بالتوبة ، فلا تقبل منه ، فأما المتمادي فلا خلاف أنه لا يورث .
و قال أبو محمد فيمن سب الله تعالى ثم مات و لم تعدل عليه بينة ، أو لم تقبل : إنه يصلى عليه .
و روى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب ابن حبيب فيمن كذب برسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أعلن ديناً مما يفارق به الإسلام ـ أن ميراثه للمسلمين .
و قال بقول مالك : إن ميراث المرتد للمسلمين ، و لا ترثه ورثته ـ ربيعة ، و الشافعي ، و أبو ثور ، و ابن أبي ليلى ، و اختلف فيه عن أحمد .
و قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، و ابن مسعود ، و ابن المسيب ، و الحسن ، و الشعبي ، و عمر بن عبد العزيز ، و الحكم ، و الأوزاعي ، و الليث ، و إسحاق ، و أبو حنيفة ـ ترثه ورثته من المسلمين .
و قيل ذلك فيما كسبه قبل ارتداده ، و ما يكسبه في الإرتداد فللمسلمين .
قال القاضي أبو الفضل : و تفصيل أبي الحسن في باقي جوابه حسن بين ، و هو على رأي أصبغ ، و خلاف قول سحنون ، و اختلافهما على قولي مالك في ميراث الزنديق ، فمرة ورثه ورثته من المسلمين قامت بذلك بينة فأنكرها ، أو اعترف بذلك و أظهر التوبة .
و قاله أصبغ ، و محمد بن مسلمة ، و غير واحد من أصحابه ، لأنه مظهر للإسلام بإنكاره أو توبته ، و حكمه حكم المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و روى ابن نافع عنه في العتبية ، و كتاب محمد ـ أن ميراثه لجماعة المسلمين ، لأن ماله تبع لدمه .
و قال به أيضاً جماعة من أصحابه ، و قاله أشهب ، و المغيرة ، و عبد الملك ، و محمد ، و سحنون .
و ذهب ابن القاسم في العتبية إلى أنه إن اعترف بما شهد عليه به و تاب فقتل فلا يورث . و إن لم يقر حتى قتل أو مات ورث .
قال : و كذلك كل من أسر كفراً فإنهم يتوارثون بوراثة الإسلام .
و سئل أبو القاسم ابن الكا تب عن النصراني يسب النبي صلى الله عليه و سلم فيقتل ، هل يرثه أهل دينه أم المسلمون ؟
فأجاب بأنه للمسلمين ليس على جهة الميراث ، لأنه لا توارث بين أهل ملتين ، و لكن لأنه من فيئهم ، لنقضه العهد ، و هذا معنى قوله و اختصاره .

عــودة