القسم الرابع

في تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه صلى الله عليه و سلم

قال القاضي أبو الفضل رضي الله عنه : قد تقدم من الكتاب و السنة و إجماع الأمة ما يجب من الحقوق للنبي صلى الله عليه و سلم ، و ما يتعين له من بر و توقير ، و تعظيم و إكرام ، و بحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه ، و أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين و سابه ، قال الله تعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا [ سورة الأحزاب / 33 ، الآية : 57 ] .
و قال تعالى : والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم [ سورة التوبة / 9 ، الآية : 61 ] .
و قال الله تعالى : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما [ سورة الأحزاب / 33 ، الآية : 53 ] .
و قال تعالى : في تحريم التعريض به : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم [ سورة البقرة / 2 ، الآية : 104 ] .
و ذلك أن اليهود كانوا يقولون : راعنا يا محمد ، أي أرعنا سمعك ، و اسمع منا ، و يعرضون بالكلمة ، يريدون الرعونة ، فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم ، و قطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها ، لئلا يتوصل بها الكافر و المنافق إلى سبه و الاستهزاء به .
و قيل : بل لما من مشاركة اللفظ ، لأنها عند اليهود بمعنى اسمع لا سمعت .
و قيل : بل لما فيها من قله الأدب ، و عدم توقير النبي صلى الله عليه و سلم و تعظيمه ، لأنها في لغة الأنصار بمعنى ارعنا نرعك ، فنهوا عن ذلك ، إذ مضمنه أنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم ، و هو ـ صلى الله عليه و سلم ـ واجب الرعاية بكل حال ، و هذا هو صلى الله عليه و سلم قد نهى عن التكني بكنيته ، فقال : تسموا باسمي ، و لا تكنوا بكنيتي ، صيانة لنفسه ، و حماية عن أذاه ، إذ كان صلى الله عليه و سلم استجاب لرجل نادى : يا أبا القاسم ، فقال : لم أعنك ، إنما دعوت هذا ، فنهى حينئذ عن التكني بكنيته لئلا يتأذى بإجابة دعوة غيره لمن لم يدعه ، و يجد بذلك المنافقون و المستهزئون ذريعة إلى أذاه دعوة غيره فينادونه ، فإذا التفت قالوا : إنما أردنا هذا ـ لسواه ـ تعنيتاً له ، و استخفافاً بحقه على عادة المجان و المستهزئين ، فحمى صلى الله عليه و سلم حمى أذاه  بكل وجه ، فحمل محققوا العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته ، و أجازوه بعد وفاته لارتفاع العلة .
و للناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها ، و ما ذكرناه هو مذهب الجمهور ، و الصواب إن شاء الله . و إن ذلك على طريق تعظيمه و توقيره ، و على سبيل الندب و الاستحباب ، لا على التحريم ، و لذلك لم ينه عن اسمه ، لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ، و إنما كان المسلمون يدعونه برسول الله ، و بنبي الله ، و قد يدعوه ـ بكنيته أبا القاسم ـ بعضهم في بعض الأحوال .
و قد روى أنس رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه و سلم ، ما يدل على كراهة التسمي باسمه ، و تنزيهه عن ذلك ، إذا لم يوقر ، فقال : تسمون أولادكم محمداً ثم تلعنوهم .
و روى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة : لايسمى أحد باسم النبي صلى الله عليه و سلم ، حكاه أبو جعفر الطبري .
[ و حكى محمد بن سعد أنه نظر إلى رجل اسمه محمد ، و رجل يسبه و يقول له : فعل الله بك يا محمد و صنع . فقال عمر لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب : لا أرى محمداً صلى الله عليه و سلم يسب بك ، و الله لا تدعى محمداً ما دمت حياً ، و سماه عبد الرحمن ، و أراد أن يمنع أن يسم ى أحد بأسماء الأنبياء إكراماً لهم بذلك ، و غير أسماء جماعة تسموا بأسماء الأنبياء ، ثم أمسك ] .
و الصواب جواز هذا كله بعده صلى الله عليه و سلم ، بدليل إطباق الصحابة على ذلك .
و قد سمى جماعة منهم ابنه محمداً ، و كناه بأبي القاسم .
و روي أن النبي صلى الله عليه و سلم أذن في ذلك لعلي رضي الله عنه .
و قد أخبر صلى الله عليه و سلم أن ذلك اسم الهدي و كنيته .
[ و قد سمي به النبي صلى الله عليه و سلم محمد بن طلحة ، و محمد بن عمرو بن حزم ، و محمد بن ثابت بن قيس ، و غير واحد ، و قال : ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد و محمدان و ثلاثة ] .
و قد فصلت الكلام في هذا القسم على بابين كما قدمناه :
 الباب الأول : في بيان ما هو ـ في حقه صلى الله عليه و سلم ـ سب أو نقص ، من تعريض أو نص
اعلم ـ وفقنا الله و إياك ـ أن جميع من سب النبي صلى الله عليه و سلم ، أو عابه ، أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه ، أو خصلة من خصاله ، أو عرض به ، أو شبهه بشيء على طريق السب له ، أو الإزراء عليه ، أو التصغير لشأنه ، أو الغض منه ، و العيب له ، فهو ساب له ، و الحكم فيه حكم الساب ، يقتل كما نبينه ، و لا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على هذا المقصد ، و لا نمتري فيه تصريحاً كان أو تلويحاً . و كذلك من لعنه أو دعا عليه ، أو تمنى مضرة له ، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم ، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام و هجر ، و منكر من القول و زور ، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء و المحنة عليه ، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة و المعهودة لديه .
و هذا كله إجماع من العلماء و أئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جراً .
و قال أبو بكر بن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه و سلم يقتل ، و ممن قال ذلك مالك بن أنس ، و الليث ، و أحمد ، و إسحاق ، و هو م ذهب الشافعي .
قال القاضي أبو الفضل : و هو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، و لا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين :
و بمثله قال أبو حنيفة ، و أصحابه ، و الثوري و أهل الكوفة ، و الأوزاعي في المسلم ، لكنهم قالوا : هي ردة .
روى مثله الوليد بن مسلم عن مالك .
و حكى الطبري مثله عن أبي حنيفة و أصحابه فيمن تنقصه صلى الله عليه و سلم ، أو برئ منه أو كذبه .
و قال سحنون فيمن سبه : ذلك ردة كالزندقة .
و على هذا وقع الخلاف في استتابته و تكفيره ، و هل قتله حد أو كفر ، كما سنبينه في الباب الثاني إن شاء الله تعالى ، و لا نعلم خلافاً في استباحة دمه بين علماء الأمصار و سلف الأمة ، و قد ذكر غير واحد الإجماع على قتله و تكفيره ، و أشار بعض الظاهرية ـ و هو أبو محمد علي بن أحمد الفارسي إلى الخلاف في تكفير المستخف به .
و المعروف ما قدمناه ، قال محمد بن سحنون : أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه و سلم المتقص له كافر . و الوعيد جار عليه بعذاب الله ، و حكمه عند الأمة القتل ، و من شك في كفره و عذابه كفر .
و احتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفق يه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم صاحبكم .
و قال أبو سليمان الخطابي : لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلماً .
و قال ابن القاسم ـ عن مالك في كتاب ابن سحنون ، و المبسوط ، و العتبية ، و حكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب : من سب النبي صلى الله عليه و سلم من المسلمين قتل ، و لم يستتب .
قال ابن القاسم في العتبية : من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل ، و حكمه عند الأمة القتل كالزنديق .
و قد فرض الله تعالى توقيره و بره . و في المبسوط ـ عن عثمان بن كنانة : من شتم النبي صلى الله عليه و سلم من المسلمين قتل أو صلب حياً و لم يستتب و الإمام مخير في صلبه حياً أو قتله .
و من رواية أبي المصعب ، و ابن أبي أويس : سمعنا مالكاً يقول : من سب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أو شتمه ، أو عابة ، أو تنقصه ـ قتل مسلماً كان أو كافراً ، و لا يستتاب .
و في كتاب محمد : أخبرنا أصحاب مالك أنه قال : من سب النبي صلى الله عليه و سلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل و لم يستتب .
و قال أصبغ : يقتل على كل حال أسر ذلك أو ظهره ، و لا يستتاب ، لأن توبته لا تعرف .
و قال عبد الله بن الحكم : من سب النبي صلى الله عليه و سلم أو كافر قتل و لم يستتب .
و حكى الطبري مثله عن أشهب ، عن مالك .
و روى ابن وهب ، عن مالك : من قال : إن رداء النبي صلى الله عليه و سلم ـ و يروى زر النبي صلى الله عليه و سلم ـ وسخ ، أراد عيبه ـ قتل .
قال بعض علمائنا : أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل ، أو بشيء من المكروه ـ أنه يقتل بلا استتابة .
و أفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي صلى الله عليه و سلم : الحمال يتيم أبي طالب ـ بالقتل .
و أفتى أبو محمد بن أبي زيد بقتل رجل سمع قوماً يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه و سلم إذ مر بهم رجل قبيح الوجه و اللحية ، فقال لهم : تريدون تعرفون صفته ، هي في صفة هذا المار في خلقه و لحيته . قال : و لا تقبل توبته .
و قد كذب ـ لعنه الله ، و ليس يخرج من قلب سليم الإيمان .
و قال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون : من قال : إن النبي صلى الله عليه و سلم كان أسود يقتل .
و قال في رجل قيل له : لا ، و حق رسول الله . فقال فعل الله برسول الله كذا و كذا ـ و ذكر كلاماً قبيحاً ، فقيل له : ما تقول يا عدو الله ؟ فقال أشد من كلامه الأول ، ثم قال : إنما أردت برسول الله العقرب . فقال ابن أبي سليمان للذي سأله : اشهد عليه و أنا شريكك ـ يريد في قتله و ثواب ذلك .
قال حبيب بن الربيع : لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل ، لأنه امتهان ، وهو غير معزز لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، ولا موقر له ، فوجب إباحة دمه .
وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشار ، قال لرجل : أد واشك إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، و قال : إن سألت أو جعلت فقد جهل وسأل النبي صلى الله عليه و سلم ـ بالقتل .
وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي و صلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه و سلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم ، وختن حيدرة ، و زعمه أن زهده لم يكن قصداً ، و لو قدر على الطيبات أكلها ، إلى أشباه لهذا .
و أفتى فقهاء القيروان و أصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري ، و كان شاعراً متفننا في كثير من العلوم ، و كان ممن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة ، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه و سلم ، فأحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء ، وأمر بقتله وصلبه ، فطعن بالسكين ، وصلب منكسا ، ثم أنزل وأحرق بالنار .
وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته ، و زالت عنها الأيدي استدارت ، و حولته عن القبلة ، فكان آية للجميع ، و كبر الناس ، و جاء كلب فولغ في دمه ، فقال يحيى بن عمر : صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ذكر حديثاً عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : لا يلغ الكلب في دم مسلم .
و قال القاضي أبو عبد الله بن المرابط : من قال : إن النبي صلى الله عليه و سلم هزم يستتاب ، فإن تاب و إلا قتل ، لأنه تنقص ، إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته ، إذ هو على بصيرة من أمره ، ويقين من عصمته .
و قال حبيب بن ربيع القروي : مذهب مالك و أصحابه أن من قال فيه صلى الله عليه و سلم : ما فيه نقص ـ قتل دون استتابة .
و قال ابن عتاب : الكتاب و السنة موجبان أن من قصد النبي صلى الله عليه و سلم بأذى أو نقص ، معرضاً أو مصرحاً ، و إن قل ـ فقتله واجب ، فهذا الباب كله مما عده ا لعلماء سباً أو تنقصاً يجب قتل قائله ، لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم ، و إن اختلفوا في حكم قتله على ما أشرنا إليه و نبيه بعد .
و كذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر ، أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه ، أو أذى من عدوه ، أو شدة من زمنه ، أو بالميل إلى نسائه ، فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل .
و قد مضى من مذاهب العلماء في ذلك ، و يأتي ما يدل عليه .

فصل
في الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه صلى الله عليه و سلم

فمن القرآن لعنه تعالى لمؤذ به في الدنيا و الآخرة ، و قرانه تعالى أذاه بأذاه ، و لا خلاف في قتل من سب الله ، و أن اللعن إنما يستوجبه من هو كافر ، و حكم الكافر القتل ، فقال : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا [ سورة الأحزاب / 33 ، الآية : 57 ] .
و قال ـ في قاتل المؤمن مثل ذلك ، فمن لعنته في الدنيا القتل ، قال الله تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا [ سورة الأحزاب / 33 ، الآية : 60 ، 61 ] .
و قال ـ في المحاربين ، و ذكر عقوبتهم إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا [ سورة المائدة / 5 ، الآية : 33 ] .
و قد يقع القتل بمعنى اللعن ، قال الله تعالى : قتل الخراصون . و قاتلهم الله أنى يؤفكون ، أي لعنهم الله ، و لأنه فرق بين أذاهما و أذى المؤمنين ، و في أذى المؤمنين ما دون القتل ، من الضرب و النكال ، فكان حكم مؤذي الله و نبيه أشد من ذلك ، و هو القتل . و قال تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ سورة النساء / 4 ، الآية : 65 ] .
فسلب اسم الإيمان عمن وجد في صدره حرجاً من قضائه ، و لم يسلم له ، و من تنقضه فقد ناقض هذا .
و قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [ سورة الحجرات / 49 ، الآية : 2 ] .
و لا يحبط العمل إلا الكفر ، و الكافر يقتل .
و قال تعالى : وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ثم قال : حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير [ سورة المجادلة / 58 ، الآية : 8 ] .
و قال تعالى : ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن . ثم قال : والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم [ سورة التوبة / 9 ، الآية : 61 ] .
و قال تعالى : ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين [ سورة التوبة / 9 ، الآية : 65 ، 66 ] .
قال أهل التفسير : كفرتم بقولكم في رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و أما الإجماع فقد ذكرناه .
و أما الآثار فحدثنا الشيخ أبو عبد الله أحمد بن غلبون ، عن الشيخ أبي ذر الهروي إجازة ، قال : حدثنا أبو الحسن الدار قطني ، و أبو عمر ابن حيوة ، حدثنا محمد بن نوح ، حدثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة ، حدثنا عبد الله بن موسى بن جعفر ، عن علي بن موسى ، عن أبيه ، عن جده ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن الحسين بن علي ، عن أبيه ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من سب نبينا فاقتلوه ، و من سب أصحابي فاضربوه .
و في الحديث الصحيح : أمر النبي صلى الله عليه و سلم بقتل كعب ابن الأشرف . و قوله : من لكعب بن الأشرف ! فإنه يؤذي الله و رسوله . و وجه إليه من قتله غيلة دون دعوة ، بخلاف غيره من المشركين ، و علل قتله بأذاه له ، فدل أن قتله إياه لغير الإشراك ، بل للأذى .
و كذلك قتل أبا رافع ، قال البراء : و كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و يعين عليه .
و كذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل و جاريته اللتين كانتا تغنيان بسبه صلى الله عليه و سلم .
و في حديث آخر أن رجلاً كان يسبه ـ صلى الله عليه و سلم ، فقال : من يكفيني عدوي ؟ فقال خالد : أنا . فبعثه صلى الله عليه و سلم فقتله .
و كذلك لم يقل جماعة ممن كان يؤذيه من الكفار و يسبه ، كالنضر بن الحارث ، و عقبة بن أبي معيط .
و عهد بقتل جماعة منهم قبل الفتح و بعده ، فقتلوا إلا من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه .
و قد روى البزار ، عن ابن عباس ـ أن عقبة بن أبي معيط نادى : يا معشر قريش ، مالي أقتل من بينكم صبراً ! فقال له صلى الله عليه و سلم : بكفرك و افترائك على رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و ذكر عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه و سلم سبه رجل ، فقال : من يكفيني عدوي ؟ فقال الزبير : أنا ، فبارزه فقتله الزبير .
و روى أيضاً أن امرأة كانت تسبه صلى الله عليه و سلم ، فقال : فقال : من يكفيني عدوي ؟ فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها .
و روى أن رجلاً كذب على النبي صلى الله عليه و سلم ، فبعث علياً و الزبير إليه ليقتلاه .
و روى ابن قانع أن رجلاً جاء إلى النبي صل ى الله عليه و سلم ، فقال : يا رسول الله ، سمعت أبي يقول فيك قولاً قبيحاً فقتلته ! فلم يشق ذلك على النبي صلى الله عليه و سلم .
و بلغ المهاجر بن أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر رضي الله عنه أن امرأة هناك في الردة غنت بسب النبي صلى الله عليه و سلم فقطع يدها ، و نزع ثنيتها ، فبلغ أبا بكر رضي الله عنه ذلك ، فقال له : لولا ما فعلت لأمرتك بقتلها ، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود . و عن ابن عباس : هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : من لي بها ؟ فقال رجل من قومها : أنا رسول الله . فنهض فقتلها ، فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : لا ينتطح فيها عنزان .
و عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تسب النبي صلى الله عليه و سلم فيزجرها فلا تنزجر ، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه و سلم و تشتمه ، فقتلها ، و أعلم النبي صلى الله عليه و سلم بذلك ، فأهدر دمها .
و في حديث أبي برزة الأسلمي : كنت يوماً جالساً عند أبي بكر الصديق ، فغضب على رجل من المسلمين ـ و حكى القاضي إسماعيل و غير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سب أبا بكر .
و رواه النسائي : أتيت أبا بكر ، و قد أغلظ لرجل فرد عليه ، قال : فقلت : يا خليفة رسول الله ، دعني أضرب عنقه . فقال : اجلس ، فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه و سلم .
قال القاضي أبو محمد بن نصر : و لم يخالف عليه أحد ، فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي صلى الله عليه و سلم بكل ما أغضبه أو أذاه أو سبه .
و من ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة ، و قد استشاره في قتل رجل سب عمر رضي الله عنه ، فكتب إليه عمر : إنه لا يحل قتل امرئ مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلاً سب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فمن سبه  فقد حل دمه .
و سأل الرشيد مالكاً في رجل شتم النبي صلى الله عليه و سلم ، و ذكر له أن فقهاء العراق أفتوه بجلده ، فغضب مالك ، و قال : يا أمير المؤمنين ، ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها ! من شتم الأنبياء قتل ، و من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم جلد .
قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى : كذا وقع في هذه الحكاية ، رواها غير واحد من أصحاب مناقب مالك و مؤلفي أخباره و غيرهم ، و لا أدري من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر ! و قد ذكرنا مذهب العراقيين يقتله ، و لعلهم ممن لم يشهر بعلم ، أو من لا يوثق بفتواه ، أو يميل به هواه ، أو يكون ما قاله يحمل على غير السب ، فيكون الخلاف : هل هو سب أو غير سب ؟ أو يكون رجع و تاب من سبه ، فلم يقله لمالك على أصله ، و إلا فالإجماع على قتل من سبه كما قدمناه .
و يدل على قتله من جهة النظر و الاعتبار أن من سبه أو تنقصه صلى الله عليه و سلم فقد ظهرت علامة مرض قلبه ، و برهان سر طويته و كفره ، و لهذا ما حكم له كثير من العلمء بالردة ، و هي رواية الشاميين عن مالك و الأوزاعي ، و قول الثوري ، و أبو حنيفة ، و الكوفيين .
و القول الآخر أنه دليل على الكفر فيقتل حداً ، و إن لم يحكم له بالكفر إلا أن يكون متمادياً على قوله ، غير منكر له ، و لا مقلع عنه ، فهذا كافر ، و قوله : إما صريح كفر كالتكذيب و نحوه ، أو من كلمات الاستهزاء و الذم ، فاعترافه بها و ترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك ، و هو كفر أيضاً ، فهذا كافر بلا خلاف ، قال الله تعالى في مثله : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم [ سورة التوبة / 9 ، الآية : 74 ] .
قال أهل التفسير : هي قول هم : إن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير .
و قيل : قول بعضهم : ما مثلنا و مثل محمد إلا قول القائل : سمن كلبك يأكلك ، و لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأغر منها الأذل .
و قد قيل إن قائل مثل هذا إن كان مستتراً به إن حكمه حكم الزنديق يقتل ، و لأنه قد غير دينه ، و قد قال صلى الله عليه و سلم : من غير دينه فاضربوا عنقه ، و لأن لحكم النبي صلى الله عليه و سلم في الحرمة مزية على أمته ، و ساب الحر من أمته يحد ، فكانت العقوبة لمن سبه صلى الله عليه و سلم القتل ، لعظيم قدره ، و شفوف منزلته على غيره .

فصل
 لم لم يقتل النبي اليهودي الذي قال له : السام عليكم ؟

فإن قلت : فلم لم يقتل النبي صلى الله عليه و سلم اليهودي الذي قال له : السام عليكم، و هذا دعاء عليه ، و لا قتل الآخر الذي قال له : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، و قد تأذى النبي صلى الله عليه و سلم من ذلك ، و قال : قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ، و لا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر الأحيان .
فاعلم ـ وفقنا الله و إياك ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم كان أول الإسلام يستألف عليه الناس و يميل قلوبهم ، و يحبب إليهم الإيمان ، و يزينه في قلويهم و يداريهم ، و يقول لأصحابه : إنما بعثتم مبشرين و لم تبعثوا منفرين .
و يقول : يسروا و لا تعسروا ، و سكنوا و لا تنفروا .
و يقول: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه .
و كان صلى الله عليه و سلم يداري الكفار و المنافقين ، و يجمل صحبتهم ، و يغضي عنهم ، و يحتمل من أذاهم و يصبر على جفائهم ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم عليه ، و كان يرفقهم بالعطاء و الإحسان ، و بذلك أمره الله تعالى ، فقال تعالى : ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصف ح إن الله يحب المحسنين [ سورة المائدة /5، الآية : 13] .
و قال تعالى : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [ سورة فصلت /41 ، الآية :34 ] .
و ذلك لحاجة الناس للتألف أول الإسلام ، و جمع الكلمة عليه ، فلما استقر و أظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه ، و اشتهر أمره ، كفعله بابن خطل ، و من عهد بقتله يوم الفتح ، و من أمكنه قتله غيلة من يهود و غيرهم ، أو غلبه ممن لم ينظمه قبل سلك صحبته ، و الانخراط في جملة مظري الإيمان له ممن كان يؤذيه ، كابن الأشرف ، و أبي رافع ، و النضر ، و عقبة .
و كذلك نذر دم جماعة سواهم ، ككعب بن زهير ، و ابن الزبعري و غيرهما ممن آذاه حتى ألقوا بأيديهم ، و لقوه مسلمين .
و بواطن المنافقين مستترة ، و حكمه صلى الله عليه و سلم على الظاهر ، و أكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها القائل منهم خفية و مع أمثاله ، و يحلفون عليها إذا نميت ، و ينكرونها ، و يحلفون با الله ما قالوا ، و لقد قالوا كلمة الكفر ، و كان مع هذا يطمع في فيئتهم ، و رجوعهم إلى الإسلام و توبتهم ، فيصبر صلى الله عليه و سلم على هناتهم و جفوتهم ، كما صبر أولوا العزم من الرس ل حتى فاء كثير منهم باطناً ، كما فاء ظاهراً ، و أخلص سراً كما أظهر جهراً ، و نفع الله بعد بكثير منهم ، و قام منهم للدين و زراء و أعوان و حماة و انصار كما جاءت به الأخبار .
و بهذا أجاب بعض أئمتنا رحمهم الله عن هذا السؤال .
و قال : لعله لم يثبت عنده صلى الله عليه و سلم من أقوالهم ما رفع ، وإنما نقله الواحد و من لم يصل رتبة الشهادة في مثل هذا الباب ، من صبي أو عبد أو امرأة ، و الدماء لا تستباح إلا بعدلين .
و على هذا يحمل أمر اليهود من السلام ، و أنهم لووا ألسنتهم ، و لم يبينوه ، ألا ترى كيف نبهت عليه عائشة ، و لوكان صرح بذلك لم تنفرد بعلمه ، و لهذا نبه النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه على فعلهم ، و قلة صدقهم في سلامهم ، و خيانتهم في ذلك لياً بألسنتهم ، و طعناً في الدين ، فقال : إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول : السام عليكم ، فقولوا : عليكم .
و كذلك قال بعض أصحابنا البغداديين : إن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقتل المنافقين بعلمه فيهم ، و لم يأت أنه قامت بينة على نفاقهم ، فلذلك تركهم .
و أيضاً فإن الأمر كان سراً و باطناً ، و ظاهرهم الإسلام و الإيمان ، و إن كان من أهل الذمة بالعهد و الجوار ، و الناس قريب عهدهم بالإسلام ، و لم يتميز بعد الخبيث من الطيب .
و قد شاع عن المذكورين في العرب كون من يتهم بالنفاق من جملة المؤمنين و صحابة سيد المرسلين ، و أنصار الدين بحكم ظاهرهم ، فلو قتلهم النبي صلى الله عليه و سلم لنفاقهم و ما يبدر منهم ، و علمه بما أسروا في أنفسهم لوجد المنفر ما يقول ، و لارتاب الشارد ، و أرجف المعاند ، و ارتاع من صحبه النبي صلى الله عليه و سلم ، و الدخول في الإسلام غير واحد ، و لزعم الزاعم ، و ظن العدو الظالم ـ أن القتل إنما كان للعداوة و طلب أخذ الترة .
و قد رأيت معنى ما حررته منسوباً إلى مالك بن أنس رحمه الله ، ولهذا قال صلى الله عليه و سلم لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه . و قال : أؤلئك الذين نهاني الله عن قتلهم .
و هذا بخلاف إجراء الأحكام الظاهرة عليهم من حدود الزنا و القتل و شبهه ، لظهورها و استواء الناس في علمها .
و قد قال محمد بن المواز : لو أظهر المنافقون نفاقهم لقتلهم النبي صلى الله عليه و سلم ، و قاله القاضي أبو الحسن بن القصار .
و قال قتادة في تفسير قوله تعالى : لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [ سورةالأحذاب /33 ، الآية : 60 ، 62 ] .
قال : معناه إذا أظهروا النفاق .
و حكى محمد بن مسلمة في المبسوط ، عن زيد بن أسلم ـ أن قوله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ، نسخها ما كان قبلها .
و قال بعض مشايخنا : لعل القائل : هذه قسمة ما أريد وجه الله : و قوله : اعدل ـ لم يفهم النبي صلى الله عليه و سلم منه الطعن عليه و التهمة له ، و إنما رآها من وجه الغلط في الرأي ، و أمور الدنيا و الاجتهاد في مصالح أهلها ، فلم ير ذلك سباً ، و رأى أنه من الأذى له العفو عنه و الصبر عليه ، فلذلك لم يعاقبه .
و كذلك يقال في اليهود إذا قالوا : السام عليكم ـ ليس فيه صريح سب و لا دعاء إلا بما لا بد منه من الموت الذي لا بد من لحاقه جميع البشر .
و قيل : بل المراد تسأمون دينكم . و السأم و السآمة : الملال .
و هذا دعاء على سآمة الدين ليس بصريح سب ، و لهذا ترجم البخاري على هذا الحديث ، باب ـ إذا عرض الذمي أو غيره بسبب النبي صلى الله عليه و سلم .
قال بعض علمائنا : و ليس هذا بتعريض بالسب ، و إنما هو تعريض بالأذى .
قال القاضي أبو الفضل : قد قدمنا أن الأذى و السب في حقه صلى الله عليه و سلم سواء .
و قال القاضي أبو محمد بن نصر مجيباً عن هذا الحديث ببعض ما تقدم ، ثم قال : و لم يذكر في الحديث : هل كان هذا اليهودي من أهل العهد و الذمة أو الحرب ، و لا يترك موجب الدلة للأمر المحتمل .
و الأولى في ذلك كله و الأظهر من هذه الوجوه مقصد الاستئلاف و المدارة على الدين لعلهم يؤمنون .
و لذلك ترجم البخاري على حديث القسمة و الخوارج : باب ـ من ترك قتال الخوارج للتألف .
و لئلا ينفر الناس عنه ، و لما ذكرنا معناه عن مالك ، و قررناه قبل .
و قد صبر لهم صلى الله عليه و سلم على سحره و سمه ، و هو أعظم من سبه إلى أن نصره الله عليهم ، و أذن له في قتل من حينه منهم و إنزالهم من صياصيهم ، و قذف في قلوبهم الرعب ، وكتب على من شاء منهم الجلاء ، و أخرجهم من ديارهم ، و خرب بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين ، و كاشفهم بالسب ، فقال : يا إخوةالقردة و الخنازير ، و حكم فيهم سي وف المسلمين ، و أجلا هم من جوارهم [ و أورثهم أرضهم و ديارهم و أموالهم ، لتكون كلمة الله هي العليا و كلمة الذين كفروا السفلى ] .
فإن قلت : فقد جاء في الحديث الصحيح ، عن عائشة رضي الله عنها ـ أنه صلى الله عليه و سلم ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط ، إلا أن تنتهك حرمة الله ، فينتقم لله .
فاعلم أن هذا لا يقتضي أنه لم ينتقم ممن سبه أو آذاه أو كذبه ، فإن هذه من حرمات الله التي انتقم لها ، و إنما يكون ما لا ينتقم له فيما تعلق بسوء أدب أو معاملة من القول أو الفعل بالنفس و المال مما لم يقصد فاعله به أذاه ، لكن مما جبلت عليه الأعراب من الجفاء ، و الجهل ، أو جبل عليه البشر من الغفلة ، كجبذ الأعرابي بإزاره حتى أثر في عنقه ، و كرفع صوت الآخر عنده ، و كحجد الأعرابي شراءه منه فرسه التي شهد فيها خزيمة ، و لما كان من تظاهر زوجيه عليه ، و أشباه هذا مما يحسن الصفح عنه .
[ و قد قال بعض علمائنا : إن أذى النبي صلى الله عليه و سلم حرام لا يجوز بفعل مباح و لا غيره .
و أما غيره فيجوز بفعل مباح ما لا يجوز للإنسان فعله ، و إن تأذى به غيره . و احتج بعموم قوله تعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ، و بقوله صلى الله عليه و سلم في حديث فاطمة : إنها بضعة مني ، يؤذيني ما يؤذيها ، ألا و إني لا أحرم ما أحل الله ، و لكن لا تجتمع ابنة رسول الله و ابنة عدو الله عند رجل أبداً ] أو يكون هذا مما آذاه به كافر و جاء بعد ذلك إسلامه ، كعفوه عن اليهودي الذي سحره ، و عن الأعرابي الذي أراد قتله ، و عن اليهودية التي سمته ، و قد قيل : قتلها .
و مثل هذا مما يبلغه من أذى أهل الكتاب و المنافقين ، فصفح عنهم رجاء استئلافهم و استئلاف غيرهم كما قررناه قبل ، و بالله التوفيق .

فصل
 الوجه الثاني : إذا كان غير قاصد للسب ..

تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه و الإزراء به ، و غمصه بأي وجه كان من ممكن أو محال ، فهذا وجه بين لا إشكال فيه .
الوجه الثاني لاحق به في البيان و الجلاء ، و هو أن يكون القائل لما قال في جهته صلى الله عليه و سلم غير قاصد للسب و الإزراء ، و لا معتقد له ، و لكنه تكلم في جهته صلى الله عليه و سلم بكلمة الكفر ، من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه ، أو نفى ما يجب له مما هو في حقه صلى الله عليه و سلم نقيصة ، مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة ، أو مداهنة في تبليغ الرسالة ، أو في حكم بين الناس ، أو يغض من مرتبته ، أو شرف نسبه ، أو وفور علمه أو زهده ، أو يكذب بما اشتهر من أمور أخبر بها صلى الله عليه و سلم و تواتر الخبر بها عنه عن قصد لرد خبره ، أو يأتى بسفه من القول ، و قبيح من الكلام ، و نوع من السب في جهته ، و إن ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ذمه ، و لم يقصد سبه ، إما لجهالة حملته على ما قاله ، أو لضجر أو سكر اضطره إليه ، أو قلة مراقبة و ضبط للسانه و عجرفة و تهور في كلامه ، فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم ، إذ لا يعذر أحد في ا لكفر بالجهالة ، و لا بدعوى زلل اللسان ، و لا بشيء مما ذكرناه ، إذ كان عقله في فطرته سليماً ، إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان .
و بهذا أفتى الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي قدمناه .
و قال محمد بن سحنون ـ في المأسور يسب النبي صلى الله عليه و سلم في أيدي العدو : يقتل إلا أن يعلم تنصره أو إكراهه .
و عن أبي محمد بن أبي زيد : لا يعذر بدعوى زلل اللسان في مثل هذا .
و أفتى أبو الحسن القابسي ـ فيمن شتم النبي صلى الله عليه و سلم في سكره : يقتل ، لأنه يظن به أنه يعتقد هذا و يفعل في صحوه .
و أيضاً فإنه حد لا يسقطه السكر ، كالقذف ، و القتل ، و سائر الحدود ، لأنه أدخله على نفسه ، لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله بها ، و إتيان ما ينكر منه ، فهو كالعامد لما بسببه .
و على هذا ألزمناه الطلاق و العتاق ، و القصاص و الحدود .
و لا يعترض على هذا بحديث حمزة و قوله للنبي صلى الله عليه و سلم : و هل أنتم إلا عبيد لأبي ! .
قال : فعرف النبي صلى الله عليه و سلم أنه ثمل فانصرف ، لأن الخمر كانت حنيئذ غير محرمة ، فلم يكن في جناياتها إثم ، و ك ان حكم ما يحدث عنها معفواً عنه كما يحدث من النوم و شرب الدواء المأمون .

فصل
الوجه الثالث ـ أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله و أتى به ..

الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله و أتى به ، أو ينفي نبوته أو رسالته ، أو وجوده ، أو يكفر به ، انتقل بقوله ذلك إلى دين آخر غير ملته أم لا ، فهذا كافر بإجماع ، يجب قتله ، ثم ينظر فإن كان مصرحاً بذلك كان حكمه أشبه بحكم المرتد ، و قوي الخلاف في استتابته .
و على القول الآخر لا يسقط عنه توبته لحق النبي صلى الله عليه و سلم ، إن كان ذكره بنقيصة فيما قاله من كذب أو غيره ، و إن كان مستسراً بذلك فحكمه حكم الزنديق لا تسقط قتله التوبة عندنا كما سنبينه .
قال أبو حنيفة و أصحابه : من بريء من محمد ، أو كذب به ، فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع .
و قال ابن القاسم ـ في المسلم إذا قال : إن محمداً ليس بنبي ، أو لم يرسل ، أو لم ينزل عليه قرآن ، و إنما هو شيء تقوله : يقتل .
قال : و من كفر برسول الله صلى الله عليه و سلم و أنكره من المسلمين ، فهو بمنزلة المرتد ، و كذلك من أعلى بتكذيبه أنه كالمرتد يستتاب .
و كذلك قال فيمن تنبأ ، و زعم أنه يوحى إليه ، و قاله سحنون .
قال ابن القاسم : دعا إلى ذلك سراً و جهراً .
قال أصبغ : و هو كالمرتد ، لأنه قد كفر بكتاب الله مع الفرية على الله .
و قال أشهب ـ في يهودي تنبأ أو زعم أنه أرسل إلى الناس ، أو قال : بعد نبيكم نبي ـ أنه يستتاب إن كان معلنا بذلك ، فإن تاب و إلا قتل ، و ذلك لأنه مكذب للنبي صلى الله عليه و سلم في قوله ، لا نبي بعدي ، مفتر على الله في دعواه عليه الرسالة و النبوة .
و قال محمد بن سحنون : من شك في حرف مما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم عن الله فهو كافر جاحد .
و قال : من كذب النبي صلى الله عليه و سلم كان حكمه عند الأمة القتل .
و قال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون : من قال : إن النبي صلى الله عليه و سلم أسود ـ قتل ، لم يكن النبي صلى الله عليه و سلم بأسود .
و قال نحوه أبو عثمان الحداد ، قال : لو قال : إنه مات قبل أن يلتحي ، أو إنه كان بتاهرت و لم يكن بتهامة قتل ، لأن هذا نفي .
قال حبيب بن ربيع تبديل صفته و مواضعه كفر ، و المظهر له كافر ، و فيه الاستتابة و المسر له زنديق ، يقتعل دون استتابة .

فصل
الوجه الرابع ـ أن يأتي من الكلام بمجمل و يلفظ من القول بمشكل يمكن حمله على النبي أو غيره ..

الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل ، و بلفظ من القول بمشكل يمكن حمله على النبي صلى الله عليه و سلم أو غيره ، أو يتردد في المراد به من سلامته من المكروه أو شره ، فها هنا متردد النظر و حيرة العبر ، و مظنة اختلاف المجتهدين ، و وقفة استبراء المقلدين ، ليهلك من هلك عن بينة ، و يحيى من حي عن بينة ، فمنهم من غلب حرمة النبي صلى الله عليه و سلم ، و حمى حمى عرضه ، فجسر على القتل ، و منهم من عظم حرمة الدم ، و درأ الحد بالشبهة لاحتمال القول .
و قد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه ، فقال له : صل على النبي محمد ، فقال له الطالب : لا صلى الله على من صلى عليه ، فقيل لسحنون : هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه و سلم ، أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه ، قال : لا ، إذا كان على ما وصفت من الغضب ، لأنه لم يكن مضمراً الشتم .
و قال أبو إسحاق البرقي ، و أصبغ بن الفرج : لا يقتل ، لأنه إنما شتم الناس ، و هذا نحو قول سحنون : لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي صلى الله عليه و سلم ، و لكنه لما احتمل الكلام عنده ، و لم تكن معه قرينة على شتم النبي صلى الله عليه و سلم ، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم ، و لا مقدمة يحمل عليها كلامه ، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء ، لأجل قول الآخر له : صل على النبي ، فحمل قوله و سبه لمن يصلي عليه الأن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه .
هذا معنى قول سحنون ، و هو مطابق لعلة صاحبيه .
و ذهب الحارث بن مسكين القاضي و غيره في مثل هذا إلى القتل .
و توقف أبو الحسن القابسي في قتل رجل قال : كل صاحب فندق قرنان ، و لو كان نبياً مرسلاً ، فأمر بشده بالقيود و التضييق عليه حتى تستفهم البينة عن جملة ألفاظه ، و ما يدل على مقصده ، هل أراد أصحاب الفنادق الآن فمعلوم أنه ليس فيهم نبي مرسل ، فيكون أمره أخف .
قال : و لتكن ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين و المتأخرين . و قد كان فيمن تقدم من الأنبياء و الرسل من اكتسب المال .
قال : و دم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بين . و ما ترد إليه التأويلات لا بد من إنعام النظر فيه . هذا معنى كلامه .
و حكي عن أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله ـ فيمن قال : لعن الله العرب ، و لعن الله بني إسرائيل ، و لعن الله بني آدم ، و ذكر أنه لم يرد الأنبياء ، و إنما أردت الظالمين منهم ـ إن عليه الأدب بقدر إجتهاد السلطان .
و كذلك أفتى ـ فيمن قال : لعن الله من حرم المسكر ، و قال : لم أعلم من حرمه .
و فيمن لعن حديث : لا يبع حاضر لباد . و لعن من جاء به ـ إنه إن كان يعذر بالجهل و عدم معرفة السنن فعليه الأدب الوجيع ، و ذلك أن هذا لم يقصد بظاهرة حاله سب الله و لا سب رسوله ، و إنما لعن من حرمه من الناس على نحو فتوى سحنون و أصحابه في المسألة المتقدمة .
و مثل هذا ما يجري في كلام سفهاء الناس في قول بعضهم لبعض : يا بن ألف خنزير ، و ابن مائة كلب ، وشبهه من هجر القول .
و لا شك أنه يدخل في مثل هذا العدد من آبائه و أجداده جماعة من الأنبياء ، و لعل بعض هذا العدد منقطع إلى آدم عليه السلام ، فينبغي الزجر عنه ، و تبيين ما جهله قائله منه و شدة الأدب فيه .
و لو علم أنه قصد سب من في آبائه من الأنبياء على علم لقتل .
و قد يقيض القول في نحو هذا لو قال لرجل هاشمي : لعن الله بني هاشم ـ و قال : أردت الظالمين منهم ، أو قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه و سلم قولاً قبيحاً في أبائه أو من نسله أو ولده على علم من ه أنه من ذرية النبي صلى الله عليه و سلم ، و لم تكن قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض أبائه ، و إخراج النبي صلى الله عليه و سلم ممن سبه منهم .
[ و قد رأيت لأبي موسى عيسى بن مناس ـ في من قال لرجل : لعنك الله إلى آدم عليه السلام ـ أنه إن ثبت عليه ذلك قتل ] .
و قد كان اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه بشيء ثم قال له : تتهمني ؟ قال له الآخر : الأنبياء يتهمون ، فكيف أنت ؟ فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله ، لبشاعة ظاهر اللفظ .
و كان القاضي أبو محمد بن منصور يتوقف عن القتل لأحتمل اللفظ عنده أن يكون خبراً عمن أتهمهم من الكفار .
و أفتى فيها قاضي قرطبة أبو عبد الله ابن الحاج بنحو هذا .
و شدد القاضي أبو محمد تصفيده ، و أطال سجنه ، ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه ، إذ دخل في شهادة بعض من شهد عليه وهن ، ثم أطلقه .
و شاهدت شيخنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى أيام قضائه أتى برجل هاتر رجلاً ، ثم قصد إلى كلب فضربه برجله و قال له : قم يا محمد ، فأنكر الرجل أن يكون قال ذلك ، و شهد عليه لفيف من الناس ، فأمر به إلى السجن ، و تقصى عن حاله ، و هل يصحب من يستر اب بدينه ؟ فلما لم يجد ما يقوي الريبة باعتقاده ضربه بالسوط و أطلقه .

فصل
الوجه الخامس ـ ألا يقصد نقصاً . .

الوجه الخامس ألا يقصد نقصاً ، و لا يذكر عيباً و لا سباً ، لكنه ينزع بذكر بعض أوصافه ، أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه و سلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل ، و الحجة لنفسه أو لغيره ، أو على التشبه به ، أو عند هضمية نالته ، أو غضاضة لحقته ، ليس على طريق التأسي و طريق التحقيق ، بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره ، أو على سبيل التمثيل و عدم التوقير لنبيه صلى الله عليه و سلم ، أو على قصد الهزل و التندير بقوله ، كقول القائل : إن قيل في السوء فقد قيل في النبي ، و إن كذبت فقد كذب الأنبياء ، أو إن أذنبت فقد أذنبوا ، أو أنا أسلم من ألسنة الناس و لم يسلم منهم أنبياء الله و رسوله ، أو قد صبرت كما صبر أولوا العزم ، أو كصبر أيوب ، أو قد صبر نبي الله عن عداه ، وحلم على أكثر مما صبرت ، و كقول المتنبي :
أنا في أمة تداركها        الله غريب كصالح في ثمود
و نحوه من أشعار المتعجرفين في القول ، المتساهلين في الكلام ، كقول المعري :
كنت موسى وافته بنت شعيب غير أن ليس فيكما من فقير
على أن آخر البيت شديد ، و داخل في باب الإزراء و الت حقير بالنبي صلى الله عليه و سلم ، و تفضيل حال غيره عليه .
و كذلك قوله :
لولا انقطاع الوحي بعد محمد       قلنا محمد من أبيه بديل
هو مثله في الفضل إلا أنه      لم يأته برسالة جبريل
فصدر البيت الثاني من هذا الفصل شديد ، لتشبيهه غير النبي في فضله بالنبي ، و العجز محتمل لوجهين : أحدهما أن هذا الفضيلة نقصت الممدوح ، و الآخر استغناؤه عنها . و هذا أشد .
و نحو منه قول الآخر :
و إذا ما رفعت راياته       صفقت بين جناحي جبرين
و قول الآخر من أهل العصر :
فر من الخلد و استجار بنا       فصبر الله قلب رضوان
و كقول حسان المصيصي من شعراء الأندلس في محمد بن عباد المعروف بالمعتمد و وزيره أبي بكر بن زيدون :
كأن أبا بكر أبو بكر الرضا       و حسان حسان و أنت محمد
و إنما أكثرنا شاهدنا مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها و لتساهل كثير من الناس في ولوج هذا الباب الضنك ، و استخفافهم فادح هذا العبء و قلة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر ، و كلامهم منه بما ليس لهم به علم ، و يحسبونه هيناً و هو عند الله عظيم ، لا سيما الشعراء . و أشدهم فيه تصريحاً ، و للسانه تسريحاً ، و ل لسانه تسريحاً ابن هانيءالأندلسي، و ابن سليمان المعري ، بل قد خرج كثير من كلامهما إلى حد الاستخفاف و النقص و صريح الكفر .
و قد أجبنا عنه ، و غرضنا الآن الكلام في الفصل الذي سقنا أمثلته ، فإن هذه كلها و إن لم تتضمن سباً ، و لا أضافت إلى الملائكة و الأنبياء نقصاً ، و لست أعني عجزى بيتي المعري ، و لا قصد قائلها إزراء و غضاً ، فما وقر النبوة ، و لا عظم الرسالة ، و لا عزز حرمة الاصطفاء ، و لا عزز حظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها ، أو معرة قصد الانتقاء منها ، أو ضرب مثل لتطيب مجلسه ، أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره ، و شرف قدره ، و ألزم توقيره و بره ، و نهى عن جهر القول له ، و رفع الصوت عنده .
فحق هذا إن درئ عنه القتل الأدب و السجن و قوة تعزيزه بحسب شنعة مقاله ، و مقتضى قبح ما نطق به ، و مألوف عادته لمثله ، أو ندوره ، و قرينة كلامه ، أو ندمه على ما سبق منه ، و لم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن جاء به ، و قد أنكر الرشيد على أبي نواس قوله :
فإن يك باقي سحر فرعون فيكم      فإن عصا موسى بكف خصيب
و قال له : يا بن اللخناء ، أنت المستهزئ بعصا موسى ! و أمر بإخ راجه عن عسكره من ليلته .
و ذكر القتبي أن مما أخذ عليه أيضاً ، و كفر فيه ، أو قارب ـ قوله في محمد الأمين و تشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه و سلم ، حيث قال :
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها      خلقاً و خلقاً كما قد الشرا كان
 و قد أنكروا عليه أيضاً قوله :
كيف لا يدنيك من أمل      من رسول الله من نفره
لأن حق الرسول و موجب تعظيمه و إنافة منزلته أن يضاف إليه ، و لا يضاف .
فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا على هذا المنهج جاءت فتيا إمام مذهبنا مالك بن أنس رحمه الله و أصحابه :
ففي النوادر من رواية ابن أبي مريم عنه في رجل عير رجلاً بالفقر ، فقال : تعيرني بالفقر و قد رعى النبي صلى الله عليه و سلم الغنم ؟ فقال مالك : قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه و سلم في غير موضعه ، أرى أن يؤدب ، قال : و لا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا : قد أخطأت الأنبياء قبلنا .
و قال عمر بن عبد العزيز لرجل : انظر لنا كاتباً يكون أبوه عربياً . فقال كاتب له : قد كان أبو النبي كافراً ، فقال : جعلت هذا مثلاً ! فعزله ، و قال : لا تكتب لي أبداً .
و قد كره سحنون أن يصلى على النبي صلى الله عليه و سلم عند التعجب إلا على طريق الثواب و الاحتساب ، توقيراً له و تعظيماً ، كما أمرنا الله .
و سئل القابسي عن رجل قال لرجل قبيح كأنه وجه نكير ، و لرجل عبوس كأنه وجه مالك الغضبان ، فقال : أي شيء أراد بهذا ، و نكير أحد فتاني القبر ، و هما ملكان ، فما الذي أراد ! أروع دخل عليه حين رآه من وجهه ، أم عاف النظر إليه لدمامة خلقه ، فإن كان هذا فهو شديد ، لأنه جرى مجرى التحقير و التهوين ، فهو أشد عقوبة ، و ليس فيه تصريح بالسب للملك ، و إنما السب واقع على المخاطب . و في الأدب بالسوط و السجن نكال للسفهاء ، قال : و أما ذاكر مالك خازن النار فقد جفا الذي ذكره عندما أنكر حاله من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد فيرهب بعبسته ، فيشبهه القائل على طريق الذم لهذا في فعله ، و لزومه في ظلمه صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله ، فيقول كأنه لله يغضب غضب مالك ، فيكون أخف ، و ما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا ، و لو كان أثنى على العبوس يعبسته ، و احتج بصفة مالك كان أشد ، و يعاقب المعاقبة الشديدة ، و ليس في هذا ذم للملك ، و لو قصد ذمه لقتل .
و قال أبو الحسن أيضاً في شاب معروف ب الخير قال لرجل شيئاً ، فقال الرجل :
اسكت ، فإنك أمي . فقال الشاب : أليس كان النبي صلى الله عليه و سلم أمياً ! فشنع عليه مقاله ، و كفره الناس ، و أشفق الشاب مما قال ، و أظهر الندم عليه ، فقال أبو الحسن : أما إطلاق الكفر عليه فخطأ في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه و سلم ، و كون النبي أمياً له ، و كون هذا أمياً نقيصة فيه و جهالة .
و من جهالته احتجاجه بصفة النبي صلى الله عليه و سلم ، لكنه إذا استغفر و تاب ، و اعترف و لجأ إلى الله فيترك ، لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل ، و ما طريقه الأدب فطوع فاعله بالندم عليه يوجب الكف عنه .
و نزلت أيضاً مسألة استفتى فيها بعض قضاة الأندلس شيخا القاضي أبا محمد ابن منصور رحمه الله في رجل تنقصه . آخر بشيء ، فقال له : إنما تريد نقصي بقولك ، و أنا بشر ، و جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه و سلم ، فأفتاه بإطالة سجنه ، و إيجاع أدبه ، إذ لم يقصد السب ، و كان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله .

فصل
 الوجه السادس ـ أن يقول ذلك حاكياً عن غيره

الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكياً عن غيره ، و آثراً له عن سواه ، فهذا ينظر في صورة حكايته و قرينة مقالته ، و يختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه : الوجوب ، و الندب ، و الكراهة ، التحريم ، فإن كان أخبر به على وجه الشهادة و التعريف بقائله ، و الإنكار و الإعلام بقوله ، و التنفير منه ، و التجريح له ـ فهذا مما ينبغي امتثاله ، و يحمد فاعله ، و كذلك إن حكاه في كتاب أو في مجلس على طريق الرد له و النقض على قائله ، و للفتيا بما يلزمه .
و هذا منه ما يجب ، و منه ما يستحب بحسب حالات الحاكي لذلك و المحكي عنه ، فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث ، أو يقطع بحكمه أو شهادته ، أو فتياه في الحقوق ـ وجب على سامعه الإشادة بما سمع منه و التنفير للناس عنه ، و الشهادة عليه بما قاله ، و وجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره ، و بيان كفره ، و فساد قوله ، لقطع ضرره عن المسلمين ، و قياماً بحق سيد المرسلين ، و كذلك إن كان ممن يعظ العامة ، أو يؤدب الصبيان فإن من هذه سريرته لا يؤمن على إلقاء ذلك في قلوبهم ، فيتأكد في هؤلاء ا لإيجاب لحق النبي صلى الله عليه و سلم ، و لحق شريعته .
و إن لم يكن القائل بهذه السبيل فالقيام بحق النبي صلى الله عليه و سلم واجب ، و حماية عرضه متعين ، و نصرته عن الأذى حياً و ميتاً مستحق على كل مؤمن ، لكنه إذا قام بهذا من ظهر به الحق ، و فصلت به القضية ، و بان به الأمر سقط عن الباقي الفرض ، و بقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه ، و عضد التحذير منه .
و قد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث ، فكيف بمثل هذا ؟ .
و قد سئل أبو محمد بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى : أيسعه ألا يؤدي شهادته ؟ قال : إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد .
و كذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ، و يرى الاستتابة و الأدب فليشهد ، و يلزمه ذلك .
و أما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين ، فلا أرى لها مدخلاً في هذا الباب ، فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و التمضمض بسوء ذكره لأحد ، لا ذاكراً و لا آثراً لغير غرض شرعي بمباح .
و أما للأغراض المتقدمة فمتردد بين الايجاب و الاستحباب .
و قد حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه و على رسله في كتابه على وجه الإنكار لق ولهم ، و التحذير من كفرهم ، و الوعيد عليه ، و الرد عليهم بما تلاه الله علينا في محكم كتابه .
و كذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي الله صلى الله عليه و سلم الصحيحة على الوجوه المتقدمة ، و أجمع السلف و الخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة و الملحدين في كتبهم مجالسهم ليبينوها للناس ، و ينقضوا شبهها عليهم ، و إن كان ورد لأحمد بن حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث ابن أسد ، فقد صنع أحمد مثله في رده على الجهمية و القائلين بالمخلوق .
هذه الوجوه السائغة الحكاية عنها ، فأما ذكرها على غير هذا من حكاية سبه و الإزراء بمنصبه على وجه الحكايات و الأسمار و الطرف و أحاديث الناس و مقالاتهم في الغث و السمين ، و مضاحك المجان ، و نوادر السخفاء ، و الخوض في قيل و قال ، و ما لا يعني ـ فكل هذا ممنوع ، و بعضه أشد في المنع و العقوبة من بعض ، فما كان من قائله الحاكي له على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه ، أو لم تكن عادته ، أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ، و لم يظهر على حاكيه استحسانه و استصوابه ـ زجر عن ذلك ، و نهي عن العودة إليه ، وإن قوم ببعض الأدب فهو مستوجب له ، و إ، كان لفظه من الب شاعة حيث هو كان الأدب أشد .
و قد حكي أن رجلاً سأل مالكاً عمن يقول : القرآن مخلوق . فقال مالك : كافر فاقتلوه . فقال : إنما حكيته عن غيري . فقال مالك : إنما سمعناه منك .
و هذا من مالك على طريق الزجر و التغليظ ، بدليل أنه لم ينفذ قتله .
و إن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه أنه اختلقه ، و نسبه إلى غيره ، أو كانت تلك عادة له ، أو ظهر استحسانه لذلك ، أو كان مولعاً بمثله ، و الاستخفاف له ، أو التحفظ لمثله ، و طلبه ، و رواية أشعار هجوه صلى الله عليه و سلم و سبه ، فحكم هذا حكم الساب نفسه ، يؤاخذ بقوله ، و لا تنفعه نسبته إلى غيره ، فيبادر بقتله و يعجل إلى الهاوية أمه .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام ـ فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي صلى الله عليه و سلم فهو كفر .
و قد ذكر بعض من ألف في الإجماع ـ إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجي به النبي صلى الله عليه و سلم ، و كتابته و قراءته ، و تركه متى وجد دون محو و رحم الله أسلافنا المتقين المتحرزين لدينهم ، فقد أسقطوا من أحاديث المغازي و السير ما كان هذا سبيله ، و تركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة و غير مستبشعة ، على نحو الوجوه الأول ، ليروا نقمة الله من قائلها ، و أخذه المفتري عليه بذنبه .
و هذا أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله قد تحرى فيما اضطر إلى الاستشهاد به من أهاجي أشعار العرب في كتبه ، فكنى عن اسم المهجو بوزن اسمه ، استبراء لدينه ، و تحفظاً من المشاركة في ذم أحد أو نشره ، فكيف بما يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى الله عليه و سلم .

فصل
 الوجه السابع ـ أن يذكر ما يجوز على النبي ، أو يختلف في جوازه

الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه و سلم ، أو يختلف في جوازه عليه ، و ما يطرأ من الأمور البشرية به ، و تمكن إضافتها إليه ، أو يذكر ما امتحن به ، و صبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه ، و أذاهم له ، و معرفة ، ابتداء حاله و سيرته ، و ما لقيه من بؤس زمنه ، و مر عليه من معاناة عيشه ، كل ذلك على طريق الرواية ، و مذاكرة العلم ، و معرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء ، و ما يجوز عليهم ـ فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة ، إذ ليس فيه غمص و لا نقص ، و لا إزراء و لا استخفاف ، لا في ظاهر اللفظ  و لا في مقصد اللافظ ، لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم و فهماء طلبة الدين ممن يفهم مقاصده . و يحققون فوائده ، و ينجب ذلك من عساه لا يفقه ، أو يخشى به فتنته ، فقدكره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف ، لما انطوت عليه من تلك القصص لضعف معرفتهن ، و نقص عقولهن و إدراكهن ، فقد قال صلى الله عليه و سلم الله ـ مخبراً عن نفسه باستيجار لرعاية الغنم في ابتداء حاله ، و قال : ما من نبي إلا و قد رعى الغنم .
و أخبرنا الل ه تعالى بذلك عن موسى عليه السلام ، و هذا لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه ، بخلاف من قصد به الغضاضة و التحقير ، بل كانت عادة جميع العرب .
نعم ، في ذلك للأنبياء حكمة بالغة ، و تدريج لله تعالى لهم إلى كرامته ، و تدريب برعايتها لسياسة أممهم من خليقته بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ، و متقدم العلم .
و كذلك قد ذكر الله يتمه و عيلته على طريق المنة عليه ، و التعريف بكرامته له ، فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله ، و الخبر عن مبتدئه ، و التعجب من منح الله قبله ، و عظيم منته عنده ليس فيه غضاضة ، بل فيه دلالة على نبوته و صحة دعوته ، إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب و من ناوأه من أشرافهم شيئاً فشيئاً ، و نمى أمره حتى قهرهم ، و تمكن من ملك مقاليدهم ، و استباحة ممالك كثير من الأمم غيرهم ، بإظهار الله تعالى له ، و تأييده بنصره و بالمؤمنين ، و ألف بين قلوبهم ، و إمداده بالملائكة المسومين ، و لو كان ابن ملك أو ذا أشيع متقدمين لحسب كثير من الجهال أن ذلك موجب ظهوره ، و مقتضى علوه ، و لهذا قال هرقل ـ حين سأل أبا سفيان عنه : هل في آبائه من ملك ؟ فقال : لا . ثم قال : و لو كان في آبائه ملك لقلنا : رجل يطلب ملك أبيه ، و إذا اليتيم من صفته و إحدى علاماته في الكتب المتقدمة و أخبار الأمم السالفة .
و كذا و قع ذكره في كتاب أرميا ، و بهذا وصفه ابن ذي يزن لعبد المطلب ، و بحيرا لأبي طالب .
و كذلك إذا وصف بأنه أمي كما وصفه الله به ـ فهي مدحه له و فضيلة ثابتة فيه ، و قاعدة معجزته ، إذ معجزته العظمى في القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف و العلوم ، مع ما منح صلى الله عليه و سلم ، و فضل به من ذلك ، كما قدمناه في القسم الأول .
و وجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ و لم يكتب و لم يدارس و لا لقن ـ مقتضى العجب ، و منتهى العبر ، و معجزة البشر .
و ليس في ذلك نقيصة ، إذ المطلوب من الكتابة و القراءة المعرفة ، و إنما هي آلة لها ، و واسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها ، فإذا حصلت الثمرة و المطلوب استغني عن الواسطة و السبب .
و الأمية في غيره نقيصة ، لأنها سبب الجهالة ، و عنوان الغباوة ، فسبحان من باين أمره من أمر غيره ، و جعل شرفه فيما فيه محطة سواه ، و جعل حياته فيما فيه هلاك من عداه ، هذا شق قلبه ، و إخراج حشوته ، كان تمام حياته ، و غاية قوة نفسه ، و ثبات روعه ، و هو فيمن سواه منتهى هلاكه و حتم موته و فنائه ، و هلم جراً إلى سائر ما روي من أخباره و سيره ، و تقلله من الدنيا و من الملبس و المطعم و المركب ، و تواضعه و مهنته نفسه في أموره ، و خدمة بيته زهداً و رغبة عن الدنيا ، و تسوية بين حقيرها و خطيرها ، لسرعة فناء أمورها ، و تقلب أحوالها ، كل هذا من فضائله و مآثره و شرفه كما ذكرناه ، فمن أورد سيئاً منها موردة و قصد بها مقصدة كان حسناً ، و من أورد ذلك على غير وجهه ، و علم منه بذلك سوء قصده لحق بالفصول التي قدمناها .
و كذلك ما ورد من أخباره و أخبار سائر الأنبياء عليهم السلام في الأحاديث مما في ظاهره إشكال يقتضي أموراً لا تليق بهم بحال ، و يحتاج إلى تأويل و تردد احتمال ، فلا
يجب أن يتحدث منها إلا بالصحيح ، و لا يروى منها إلا المعلوم الثابت .
و رحم الله مالكاً ، فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه و المشكلة المعنى ، و قال : ما يدعو إلى التحدث بمثل هذا ؟ فقيل له : إن ابن عجلان يحدث بها ، فقال : لم يكن من الفقهاء ، و ليت الناس وافقوه على ترك الحديث بها ، و ساعدوه على طيها ، فأكثرها ليس تحته عمل .
و قد حكي عن جماعة من السلف ، بل عنهم على الجملة ـ أنهم كانوا يكرهون الكلام فيما ليس تحته عمل ، و النبي صلى الله عليه و سلم أوردها على قوم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه ، و تصرفاتهم في حقيقته و مجازه ، و استعارته ، و بليغه و إيجازه ، فلم تكن في حقهم مشكلةً ، ثم جاء من غلبت عليه العجمة ، داخلته الأمية ، فلا يكاد يفهم من مقاصد العرب إلا نصها و صريحها ، و لا يتحقق بإشاراتها إلى غرض الإيجاز ، و وحيها و تبليغها ، و تلويحها ، فتفرقوا من تأويلها [ و حملها على ظاهرها ] شذر مذر ، فمنهم من آمن به ، و منهم من كفر .
فأما ما لا يصح من هذه الأحاديث فواجب ألا يذكر منها شيء في حق الله و لا في حق أنبيائه ، و لا يتحدث بها ، و لا يتكلف الكلام على معانيها . و الصواب طرحها ، و ترك الشغل بها إلا أن تذكر على وجه التعريف بأنها ضعيفة المقاد واهية الإسناد .
و قد أنكر الأشياخ على أبي بكر بن فورك تكلفه في مشكلة الكلام على أحاديث ضعيفة موضوعة لا أصل لها ، أو منقولة عن أهل الكتاب الذين يلبسون الحق بالباطل كان يكفيه طرحها ، و يغنيه عن الكلام التنبيه على ضعفها ، إذ المقصود بالكلام على مشكل ما فيها إزالة اللبس ، و اجتثاثها من أصلها ، و طرحها أكشف للبس و أشفى للنفس .
فصل
الالتزام عند ذكر النبي بالواجب من توقيره و تعظيمه

و مما يجب على المتكلم فيما يجوز على النبي صلى الله عليه و سلم و ما لا يجوز ، و الذاكر من حالاته ما قدمناه في الفصل قبل هذا على طريق المذاكرة و التعليم ـ أن يلتزم في كلامه ـ عند ذكره صلى الله عليه و سلم ، و ذكر تلك الأحوال ـ الواجب من توقيره و تعظيمه ، و يراقب حال لسانه ، و لا يهمله ، و تظهر عليه علامات الأدب عند ذكره ، فإذا ذكر ما قاساه من الشدائد ظهر عليه الإشفاق و الإرتماض ، و الغيط على عدوه ، و مودة الفداء للنبي صلى الله عليه و سلم لو قدر عليه ، و النصرة له لو أمكنته .
و إذا أخذ في أبواب العصمة ، و تكلم على مجاري أعماله و أقواله صلى الله عليه و سلم تحرى أحسن اللفظ و أدب العبارة ما أمكنه ، و اجتنب بشيع ذلك ، و هجر من العبارة ما يقبح ، كلفظة الجهل و الكذب و المعصية ، فإذا تكلم في الأقوال قال : هل يجوز عليه الخلف في القول و الإخبار بخلاف ما وقع سهواً أو غلطاً ، و نحوه من العبارة ، و يتجنب لفظة الكذب جملةً واحدةً .
و إذا تكلم على العلم قال : هل يجوز ألا يعلم إلا ما علم ؟ و هل يمكن ألا يكون عنده علم من بعض الأشياء حتى يوح ى إليه ، و لا يقول يجهل ، لقبح اللفظ و بشاعته .
و إذا تكلم في الأفعال قال : هل يجوز منه المخالفة في بعض الأوامر و النواهي و مواقعة بعض الصغائر ؟ فهو أولى و آدب من قوله : هل يجوز أن يعصي أو يذنب أو يفعل كذا و كذا ، من أنواع المعاصي ؟ فهذا من حق توقيره صلى الله عليه و سلم ، و ما يجب له من تعزيز و إعظام .
و قد رأيت بعض العلماء لم يتحفظ من هذا ، فقبح منه ، و لم أستصوب عبارته فيه .
و وجدت بعض الجائرين قوله لأجل ترك تحفظه في العبارة ما لم يقله ، و شنع عليه بما يأباه ، و يكفر قائله .
و إذا كان مثل هذا بين الناس مستعملاً في آدابهم و حسن معاشرتهم و خطابهم ، فاستعماله في حقه صلى الله عليه و سلم أوجب ، و التزامه آكد .
فجودة العبارة تقبح الشيء أو تحسنه ، و تحريرها و تهذيبها تعظم الأمر أو تهونه ، و لهذا قال صلى الله عليه و سلم : إن من البيان لسحراً .
فأما ما أورده على جهة النفي عنه و التنزيه فلا حرج في تسريح العبارة و تصريحها فيه ، كقوله : لا يجوز عليه الكذب جملةً ، و لا إتيان الكبائر بوجه ، و لا الجور في الحكم على حال ، و لكن مع هذا يجب ظهور توقيره و تعظيمه عند ذكره مجرداً ، فكيف عند ذك ر مثل هذا .
و قد كان السلف تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره ، كما قدمناه في القسم الثاني .
و قد كان بعضهم يلتزم مثل ذلك عند تلاوة آي من القرآن ، حكى الله تعالى فيها مقال عداه ، و من كفر بآياته ، و افترى عليه الكذب ، فكان يخفض بها صوته إعظاماً لربه ، و إجلالاً له ، و إشفاقاً من التشبه بمن كفر به .

 

عــودة