القسم الثالث

فيما يستحيل في حقه ، و ما يجوز عليه شرعاً ، و ما يمتنع و يصح من الأمور البشرية أن يضاف إليه .

فصل
عصمة النبي صلى الله عليه و سلم في أقواله و أفعاله

و أما أقواله صلى الله عليه و سلم فقامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه ، و أجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به ، لا قصداً و عمداً ، و لا سهواً و غلطاً .
أما تعمد الخلف في ذلك فمنتف ، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله فيما قال اتفاقا ، و بإطباق أهل الملة إجماعاً .
و أما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني و من قال بقوله ، و من جهة الإجماع فقط ، و ورود الشرع بانتقاء ذلك ، و عصمة النبي صلى الله عليه و سلم لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلاني و من وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة لا تطول بذكره ، فنخرج عن غرض الكتاب ، فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين رسول أنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة ، و الإعلام بما أخبر به عن ربه ، و ما أوحاه إليه من وحيه ، لا على وجه العمد ، و لا على غير عمد ، ولا في حالي الرضا و السخط ، و الصحة و المرض .
و في حديث عبد الله بن عمرو : قلت يا رسول الله ، أكتب كل ما أسمع من ك ؟ قال : [ نعم ] . قلت : في الرضا و الغضب ؟ قال : [ نعم ، فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا ] .
و لنزد ما أشرنا إليه من دليل المعجزة عليه بياناً ، فنقول :
إذا قامت المعجزة على صدقه ، و أنه لا يقول إلا حقا ، و لا يبلغ عن الله إلا صدقاً ، و أن المعجزة قائمة مقام قول الله له : صدقت فيما تذكره عني ، وهو يقول : إني رسول الله إليكم لأبلغكم ما أرسلت به إليكم ، و أبين لكم ما نزل عليكم ، وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى [ سورة النجم / 53 ، الآية 3 ، 4 ] .
و قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم [ سورة النساء /4 ، الآية : 170 ] .
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، فلا يصح أن يوجد منه في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أي وجه كان .
و لو جوزنا عليه الغلط و السهو لما تميز لنا من غيره ، و لا اختلط الحق بالباطل ، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص ، فتنزيه النبي عن ذلك كله واجب برهاناً و إجماعاً كما قاله أبو إسحاق .

فصل
 سؤالات لبعض الطاعنين

و قد توجهت هنا لبعض الطاعنين سؤالات ، منها :
ما روي من أن النبي صلى الله عليه و سلم لما قرأ والنجم ، و قال : أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى -قال : تلك الغرانيق العلا ، و إن شفاعتها لترتجى و يروى : ترتضى . و في رواية : إن شفاعتها لترتجي ، و إنها لمع الغرانيق العلا .
و في أخرى : و الغرانقة العلا ، تلك للشفاعة ترتجى .
فلما ختم السورة سجد ، و سجد معه المسلمون و الكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم .
و ما وقع في بعض الروايات أن الشيطان ألقاها على لسانه ، و أن النبي صلى الله عليه و سلم كان تمنى أن لو نزل عليه شيء يقارب بينه و بين قومه .
و في رواية أخرى : ألا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه ، و ذكر هذه القصة ، و أن جبريل عليه السلام جاء فعرض عليه السورة ، فلما بلغ الكلمتين قال له : ما جئتك بهاتين . فحزن لذلك النبي صلى الله عليه و سلم ، فأنزل الله تعالى تسلية له : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم [ سورة الحج / 22 ، الآية : 52 ] .
و قوله : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [ سورة الإسراء / 17 ، الآية : 73 ، 74 ] .
فاعلم ـ أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين :
أحدهما : في توهين أصله ، و الثاني على تسليمه .
أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، و لا رواه ثقة بسند سليم متصل ، و إنما أولع به و بمثله المفسرون و المؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف كل صحيح و سقيم .
و صدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء و التفسير ، و تعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته و اضطراب رواياته ، و انقطاع إسناده ، و اختلاف كلماته ، فقائل يقول : إنه في الصلاة ، و آخر يقول : قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة ، و آخر يقول : قالها و قد أصابته سنة ، و آخر يقول : بل حدث نفسه فسها ، و آخر يقول : إن الشيطان قالها على لسانه ، و إن النبي صلى الله عليه و سلم لما عرضها على جبريل قال : ما هكذا أقرأتك ، و آخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله ع ليه و سلم قرأها ، فلما بلغ النبي صلى الله عليه و سلم ذلك قال : و الله ما هكذا نزلت ـ إلى غير ذلك من اختلاف الرواة .
و من حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين و التابعين لم يسندها أحد منهم ، و لا رفعها إلى صاحب ، و أكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية ، و المرفوع فيه حديث شعبة : عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال فيما أحسب ـ الشك في الحديث ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم كان بمكة ... و ذكر القصة .
قال أبو بكر البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه و سلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ، و لم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، و غيره يرسله عن سعيد بن جبير ، و إنما يعرف عن الكلبي ، ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا . و فيه من الضعف ما نبه عليه مع و قوع الشك فيه ، كما ذكرناه ، الذي لا يوثق به ، و لا حقيقة معه .
و أما حديث الكلبي فمما لا تجوز الراوية عنه و لا ذكره لقوة ضعفه و كذبه ، كما أشار إليه البراز : رحمه الله .
و الذي منه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ : والنجم ـ و هو بمكة ، فسجد معه المسلمون و المشركون و الجن و الإنس .
هذا توهينه من طريق النقل فأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة ، و أجمهت الأمة على عصمته صلى الله عليه و سلم و نزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله ، و هو كفر ، أو أن يتسور عليه الشيطان ، ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ، و يعتقد النبي صلى الله عليه و سلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام ، و ذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه و سلم ، أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه و سلم من قيل نفسه عمداً ، و ذلك كفر ، أو سهواً ، و هو معصوم من هذا كله .
و قد قررنا بالبراهين و الإجماع عصمته صلى الله عليه و سلم من جريان الكفر على قلبه أو لسانه ، لا عمداً و لا سهواً ، أو أن يشبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان ، أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو أن يتقول على الله ، لا عمداً و لا سهواً ، ما لم ينزل عليه ، و قد قال الله تعالى : ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين [ سورة الحاقة / 69 ، الآية : [ 44 ، 46 ] .
قال تعالى : إذا لأذقنا ك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا [ سورة الإسراء /17 ، الآية 75 ] .
و وجه ثان ، و هو استحالة هذه القصة نظراً و عرفاً ، و ذلك أن هذا الكلام لو كان ـ كما روي لكان بعيد الالتئام ، لكونه متناقص الأقسام ، ممتزج المدح بالذم ، متخاذل التأليف و النظم . و لما كان النبي صلى الله عليه و سلم و لا من بحضرته من المسلمين ، و صناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك ، و هذا لا يخفى على أدنى متأمل ، فكيف بمن رجع حلمه ، و اتسع في باب البيان و معرفة فصيح الكلام علمه .
و وجه ثالث أنه علم من عادة المنافقين ، و معاندي المشركين ، و ضعفة القلوب ، و الجهلة من المسلمين ـ نفوزهم لأول وهلة ، و تخليط العدو على النبي صلى الله عليه و سلم لأقل فتنة ، و تعييرهم المسلمين ، و الشمات بهم الفينة بعد الفينة ، و ارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ، و لم يحك أحد في هذه القصة شيئاً سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ، و لو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ، و لأقامت بها اليهود عليهم الحجة ، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة ، و كذلك ما روى في قصة القضية ، و لا فتنة أعظم من هذه البينة لو وجدت ، و لا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت ، فما روى عن معاند فيها كلمة ، و لا عن مسلم بسببها بنت شفة ، فدل على بطلها و اجتثاث أصلها .
و لا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين ، ليلبس به على ضعفاء المسلمين .
و وجه رابع : ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [ سورة الإسراء / 17 ، الآيتان : 73، 74 ] .
و هاتان الآيتان يردان الخبر الذي رووه ، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري ، و أنه ثبته لكاد يركن إليهم .
فمضمون هذا و مفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفتري ، و ثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً ، فكيف كثيراً ! و هم يروون أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون و الإفتراء بمدح آلهتهم و أنه قال صلى الله عليه و سلم : افتريت على الله ، وقلت ما لم يقل ، و هذا ضد مفهوم الآية ، و هي تضعف الحديث لو صح ، فكيف و لا صحة له .
و هذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى : ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء [ سورة النساء / 4 ، الآية : 113 ] .
و قد روي عن ابن عباس : كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون ، قال الله تعالى : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ، و لم يذهب . و أكاد أخفيها ، و لم يفعل .
قال القشيري القاضي : و لقد طالبته قريش و ثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها و وعدوه الإيمان به إن فعل ، فما فعل ، و لا كان ليفعل .
قال ابن الأنباري : ما قارب الرسول و لا ركن .
و قد ذكرت في معنى هذه الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله يرد سفسافها ، فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته و تثبيته مما كاده به الكفار ، و راموا من فتنته ، و مرادنا من ذلك تنزيهه و عصمته صلى الله عليه و سلم ، و هو مفهوم الآية .
و أما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث لو صح ، و قد أعاذنا الله من صحته ، و لكن على كل حال فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ، منها الغث و السمين ، فمنها ما روى قتادة و مقاتل ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم أصابته سنة عند قراءته هذه السورة فج رى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم .
و هذا لا يصح ، إذ لا يجوز على النبي مثله في حالة من أحواله ، و لا يخلقه الله على لسانه ، و لا يستولي الشيطان عليه في نوم و لا يقظة لعصمته في هذا الباب من جميع العمد و السهو .
و في قول الكلبي : إن النبي صلى الله عليه و سلم ـ حدث نفسه ، فقال ذلك الشيطان على لسانه .
و في رواية ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، قال : وسها ، فلما أخبر بذلك قال : إنما ذلك من الشيطان .
و كل هذا لا يصح أن يقوله النبي صلى الله عليه و سلم لا سهواً و لا قصداً ، و لا يتقوله الشيطان على لسانه .
و قيل : لعل النبي صلى الله عليه و سلم قال في أثناء تلاوته على تقدير التقرير و التوبيخ للكفار ، كقول إبراهيم عليه السلام : هذا ربي ـ على أحد التأويلات .
و كقوله : بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت و بيان الفصل بين الكلامين ، ثم رجع إلى تلاوته .
و هذا  ممكن مع بيان الفصل و قرينة تدل على المراد ، و أنه ليس من المتلو ، و هو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر .
و لا يعترض على هذا بما روي أنه كان في الصلاة ، فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع .
و الذي يظهر و يترجح في تأويله عنده و عند غيره من المحققين على تسليمه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان ـ كما أمره ربه ـ يرتل القرآن ترتيلا ، و يفصل الآي تفصيلا في قراءته ، كما رواه الثقات عنه ، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات و دسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكياً نغمة النبي صلى الله عليه و سلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار ، فظنوها من قول النبي صلى الله عليه و سلم ، و أشاعوها ، و لم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله و تحققهم من حال النبي صلى الله عليه و سلم في ذم الأوثان و عيبها على ما عرف منه .
[
و قد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا ، و قال : إن المسلمين لم يسمعوها ، و إنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين و قلوبهم ] ، و يكون ما روي من حزن النبي صلى الله عليه و سلم لهذه الإشاعة و الشبهة ، و سبب هذه الفتنة .
و قد قال الله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ، فمعنى تمنى : تلا ، قال الله تعالى : لا يعلمون الكتاب إلا أماني ، أي تلاوة .
و قوله : ف ينسخ الله ما يلقي الشيطان ، أي يذهبه ، و يزيل اللبس به ، و يحكم آياته .
و قيل : معنى الآية هو ما يقع للنبي صلى الله عليه و سلم من السهو إذا قرأ فينتبه لذلك و يرجع عنه .
و هذا نحو قول الكلبي في الآية : إنه حدث نفسه ، و قال : إذا تمنى ، أي حدث نفسه .
و في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن نحوه .
و هذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني ، و تبديل الألفاظ ، و زيادة ما ليس من القرآن ، بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة ، و لكنه لا يقر على هذا السهو ، بل ينبه عليه ، و يذكر به للحين على ما سنذكره في حكم ما يجوز عليه من السهو و ما لا يجوز .
و مما يظهر في تأويله أيضاً أن مجاهداً روى هذه القصة : و الغرانقة العلا ، فإن سلمنا القصة قلنا : لا يبعد أن هذا كان قرآناً ، و المراد بالغرانقة العلا ، و أن شفاعتهن لترتجى : الملائكة على هذه الرواية .
و بهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة ، و ذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان و الملائكة بنات الله ، كما حكى عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله : ألكم الذكر وله الأنثى ، فأنكر الله هذا من قولهم ، و رجاء الشفاعة من الملائكة صحيح ، فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ، و لبس عليهم الشيطان ذلك ، و زينة في قلوبهم و ألقاه ، إليهم نسخ الله ما ألقى الشيطان ، و أحكم آياته ، و رفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للإلباس ، كما نسخ كثير من القرآن و رفعت تلاوته ، و كان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة ، و في نسخه حكمة ، ليضل به من يشاء و يهدي من يشاء ، و ما يضل به إلا الفاسقين ، و ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد * وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم [ سورة الحج / 22 ، الآيتان : 53 ، 54 ] .
و قيل : إن النبي صلى الله عليه و سلم ـ لما قرأ هذه السورة ، و بلغ ذكر اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى خاف الكفار أن يأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي صلى الله عليه و سلم ، و يشغبوا عليه على عادتهم و قولهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون [ سورة فصلت ، الآية : 26 ] .
و نسب هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه ، و أشاعوا ذلك و أذاعوه ، و أن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ قاله ، فحزن لذلك من كذبهم و افترائهم عليه ، فسلاه الله

 تعالى بقوله :      
وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، و بين للناس الحق من ذلك من الباطل ، و حفظ القرآن ، و أحكم آياته ، و دفع ما لبس به العدو ، كما ضمنه تعالى من قوله : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ سورة الحجر / 15 ، الآية : 9 ] .
و من ذلك ما روي من قصة يونس عليه السلام ـ و أنه وعد قومه بالعذاب عن ربه ، فلما تابوا كشف عنهم العذاب ، فقال : لا أرجع كذاباً أبداً ، فذهب مغاضباً .
فاعلم ـ أكرمك الله ـ أن ليس في خبر من الأخبار الواردة في هذا الكتاب أن يونس ـ عليه السلام ـ قال لهم : إن الله مهلككم ، و إنما فيه أنه دعا عليهم بالهلاك ، و الدعاء ليس بخبر يطلب صدقة من كذبه ، لكنه قال لهم : إن العذاب مصبحكم وقت كذا ، فكان ذلك ، كما قال ، ثم رفع الله تعالى عنهم العذاب و تداركهم ، قال الله تعالى : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [ سورة يونس / 10 ، الآية : 98 ] .
و روي في الأخبار انهم رأوا دلائل العذاب و مخايله ، قاله ابن مسعود .
و قال سعيد بن جبير : غشاهم العذاب كما يغشى الثواب القبر .
فإن قلت : فما معنى ما روي من أن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب لرسول صلى الله عليه و سلم ، ثم ارتد مشركاً ، و صار إلى قريش تعالى فقال لهم : إني كنت أصرف محمداً حيث أريد ، كان يملى على [ عزيزحكيم ] فأقول أو [ عليم حكيم ] ؟ فيقول : نعم ، كل صواب .
و في حديث أخر : فيقول له النبي صلى الله عليه و سلم : اكتب كذا فيقول : أكتب كذا ؟ فيقول : اكتب كيف شئت و يقول : اكتب عليماً حكيماً ، فيقول أكتب : سيمعاً بصيراً ، فيقول له : اكتب كيف شئت .
و في الصحيح عن أنس رضي الله عنه ـ أن نصرانياً كان يكتب للنبي صلى الله عليه و سلم بعد ما أسلم ثم ارتد ، و كان يقول : ما يدري محمد إلا ما كتبت له .
فاعلم ـ ثبتنا الله و إياك على الحق ، و لا جعل للشيطان و تلبيسه الحق بالباطل إلينا سبيلاً ـ أن مثل هذه الحكاية أولاً لا توقع في قلب مؤمن ريناً ، إذ هي حكاية عمن ارتد و كفر بالله ، و نحن لا نقبل خبر المسلم المتهم ، فكيف بكافر اف ترى هو و مثله على الله و رسله ما هو أعظم من هذا ! .
و العجب لسليم العقل بشغل بمثلهذه الحكاية سره ، و قد صدرت من عدو كافر مبغض للدين ، مفتر على الله و رسوله ، و لم ترد عن أحد من المسلمين ، و لا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله و افتراه على نبي الله ، و إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ، و أولئك هم الكاذبون .
[ و ما و قع من ذكرها في حديث أنس رضي الله عنه و ظاهر حكايتها ، فليس فيه ما يدل على أنه شاهدها ، و لعله حكى ما سمع .
و قد علل البزار حديثه ذلك ، و قال : رواه ثابت عنه ، و لم يتابع عليه ، و رواه حميد عن أنس ، قال : و أظن إنما سمعه من ثابت .
قال القاضي أبو الفضل ـ و فقه الله : و لهذا ، و الله أعلم ، لم يخرج أهل الصحيح حديث ثابت و لا حميد . و الصحيح حديث عبد العزيز بن رفيع عن أنس رضي الله عنه الذي خرجه أهل الصحة و ذكرناه ، و ليس فيه عن أنس قول شيء من ذلك من قبل نفسه إلا من حكايته عن المرتد النصراني ] ، و لو كانت صحيحة لما كان فيها قدح و لا تو هيم للنبي صلى الله عليه و سلم فيما أوحي إليه ، و لا جواز للنسيان و الغلط عليه و التحريف فيما بل غه و لا طعن في نظم القرآن ، و أنه من عند الله ، إذ ليس فيه لو صح ـ أكثر من أن الكاتب قال له : عليم حكيم ـ و كتبه ، فقال له النبي ـ صلى الله عليه و سلم : كذلك هو ، فسبقه لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما نزل على الرسول قبل إظهار الرسول لها ، إذ كان ما تقدم مما أملاه الرسول يدل عليها و يقتضي وقوعها بقوة قدرة الكاتب على الكلام و معرفته به ، و جودة حسه و فطنته ، كما يتفق ذلك للعارف إذا سمع البيت أن يسبق إلى قافيته ، أو مبتدأ الكلام الحسن إلى ما يتم به ، و لا يتفق في جملة الكلام ، كما لا يتفق ذلك في آية و لا سورة .
و كذلك قوله صلى الله عليه و سلم : كل صواب إن صح ، فقد يكون هذا فيما كان فيه من مقاطع الآي و جهان و قراءتان أنزلتا جميعاً على النبي صلى الله عليه و سلم ، فأملى إحداها ، و توصل الكاتب بفطنته و معرفته بمقتضى الكلام إلى الأخرى ، فذكرها للنبي ـ صلى الله عليه و سلم كما قدمناه ، فصوبها له النبي صلى الله عليه و سلم ، ثم أحكم الله من ذلك ما أحكم ، و نسخ ما نسخ كما قد وجد ذلك في بعض مقاطع الآي ، مثل قوله تعالى : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [ س ورة المائدة /5 ، الآية : 118 ] .
و هذه قراءة الجمهور و قد قرأ جماعة : [ فإنك أنت الغفور الحكيم ] . و ليست من المصحف .
و كذلك كلمات جاءت على وجهين في غير المقاطع ، قرأ بهما جميعاً الجمهور ، وثبتنا في المصحف ، مثل : وانظر إلى العظام كيف ننشزها و ننشزها و يقتضي الحق ـ و يقص الحق .
و كل هذا لا يوجب ريناً ، و لا ينسب للنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ غلطة و لا وهماً .
و قد قيل : إن هذا يحتمل أن يكون فيما يكتبه عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ إلى الناس غير القرآن ، فيصف الله و يسميه في ذلك كيف يشاء .

 

عــودة