
فيما يجب على الأنام من حقوقه عليه السلام
![]()
في فرض الإيمان به و وجوب طاعته واتباع سنته
إذا تقرر بما تقدم ثبوت نبوته وصحة رسالته ، وجب الإيمان به وتصديقه فيما أتى
به ، قال الله تعالى : فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا [ سورة التغابن
/ 64 : الآية 8 ] .
و قال : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله [ سورة الفتح
/ 48 : الآية : 8 ، 9 ] .
و قال : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه
لعلكم تهتدون [ سورة الأعراف / 7 ، الآية : 158 ] .
فالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه و سلم واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ،
ولا يصح إسلام إلا معه ، قال الله تعالى : ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا
أعتدنا للكافرين سعيرا [ سورة الفتح / 48 ، الآية : 13 ] .
حدثنا أبو محمد الخشني الفقيه بقراءتي عليه ، حدثنا الإمام أبو علي الطبري ،
حدثنا عبد الغافر الفارسي ، حدثنا ابن عمرويه ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا أبو
الحسين ، حدثنا أمية بن بسطام ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا روح ، عن العلاء بن
عبد الرحمن بن يعقوب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى
الله عليه و سلم ، قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ،
ويؤمنوا بي وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها
، وحسابهم على الله .
قال القاضي أبوالفضل :
والإيمان به _ صلى الله عليه و سلم هو تصديق نبوته و رسالة الله له ، وتصديقه
في جميع ما جا به و ما قاله ، و مطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه
رسول الله ، فإذا اجتمع التصديق به بالقلب ، والنطق بالشهادة بذلك اللسان ، ثم
الإيمان به والتصديق له كما ورد في الحديث نفسه من رواية عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً
رسول الله .
وقد زاده وضوحاً في حديث جبريل ، إذقال : أخبرني عن الإسلام ، قال النبي صلى
الله عليه و سلم : أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ... وذكر
أركان الإسلام .
فقد قرر أن الإيمان به محتاج إلى العقد بالجنان ، والإسلام به مضطر إلى النطق
باللسان .
وهذه الحال المحمودة التامة .
وأما الحال المذمومة فالشهادة باللسان دون تصديق القلب ، وهذا هو النفاق ، قال
الله تعالى : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك
لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ، أي كاذبون في قولهم ذلك عن اعتقادهم
وتصديقهم ، وهم لا يعتقدونه ، فلما لم تصدق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن يقولوا
بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فخرجوا عن اسم الإيمان ، و لم يكن لهم في الآخرة
حكمه ، إذ لم يكن معهم إيمان ، ولحقوا بالكافرين في الدرك الأسفل من النار ،
وبقي عليهم حكم الإسلام ، بإظهار شهادة الإسلام ، في أحكام الدنيا المتعلقة
بالأئمة وحكام المسلمين الذين أحكامهم على الظواهر ، بما أظهروه من علا مة
الإسلام ، إذ لم يجعل للبشر سبيل إلى السرائر ، ولا أمروا بالبحث عنها ، بل نهى
النبي صلى الله عليه و سلم عن التحكم عليها ، و ذم ذلك ، و قال : هلا شققت عن
قلبه .
و للفرق بين القول و العقد ما جعل في حديث جبريل : الشهادة من الإسلام ،
والتصديق من الإيمان .
و بقيت حالتان أخريان بين هذين :
إحداهما ـ أن يصدق بقلبه ثم يخترم ـ قبل اتساع وقت للشهادة بلسانه ، فاختلف فيه
، فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول و الشهادة به ، و رآه بعضهم مؤمناً
مستوجباً للجنة ، لقوله صلى الله عليه و سلم : يخرج من النار من كان في قلبه
مثقال ذر ة من إيمان ، فلم يذكر سوى ما في القلب .
و هذا مؤمن بقلبه ، غير عاص و لا مفرط بترك غيره .
و هذا هو الصحيح في هذا الوجه .
الثانية : أن يصدق بقلبه و يطول مهله ، و علم ما يلزمه من الشهادة ، فلم ينطق
بها جملة و لا استشهد في عمره و لا مرة ، فهذا اختلف فيه أيضاً ، فقيل : هو
مؤمن ، لأنه مصدق ، و الشهادة من جملة الأعمال ، فهو عاص بتركها غير مخلد في
النار .
و قيل : ليس بمؤمن حتى يقارن عقده شهادة اللسان ، إذ الشهادة إنشاء عقد ، و
التزام ايمان ، و هي مرتبطة مع العقد ، و لا يتم التصديق مع المهلة إلا بها .
و هذا هو الصحيح .
و هذا نبذ يفضي إلى متسع من الكلام في الإسلام و الإيمان و أبوابهما ، و في
الزيادة فيهما و النقصان ، و هل التجزي ممتنع على مجرد التصديق لا يصح فيه جملة
، و إنما يرجع إلى ما زاد عليه من عمل ، و قد يعرض فيه لاختلاف صفاته و تباين
حالاته ، من قوة يقين ، و تصميم اعتقاد ، و وضوح معرفة ، و دوام حالة ، و حضور
قلب .
و في بسط هذا خروج عن غرض التأليف ، و فيما ذكرنا غنية فيما قصدنا إن شاء الله
.
فصل
في وجوب طاعته
و أما وجوب طاعته ، فإذا وجب الإيمان به و تصديقه فيما جاء به وجبت طاعته ، لأن
ذلك مما أتى به ، قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله [
سورة الأنفال / 8 ، الآية : 20 ] .
و قال : قل أطيعوا الله والرسول [ سورة آل عمران / 3 ، الآية : 32 ] .
و قال : وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون [ سورة آل عمران / 3 ، الآية : 132
] .
و قال : وإن تطيعوه تهتدوا [ سورة النور / 24 ، الآية : 54 ] .
و قال : من يطع الرسول فقد أطاع الله [ سورة النساء / 4 ، الآية : 80 ] .
و قال : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ سورة الحشر / 59 ،
الآية : 7 ] .
و قال : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [ سورة النساء / 4 ، الآية : 69
] .
و قال : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ، فجعل تعالى طاعة رسوله طاعته
، و قرن طاعته بطاعته ، و وعد على ذلك بجزيل الثواب ، و أوعد على مخالفته بسوء
العقاب ، و أوجب امتثال أمره ، و اجتناب نهيه .
قال المفسر ون و الأئمة : طاعة الرسول التزام سنته و التسليم لما جاء به .
و قالوا : و ما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه .
و قالوا من يطع الرسول في سنته يطع الله في فرائضه .
و سئل سهل بن عبد الله عن شرائع الإسلام ، فقال : وما آتاكم الرسول فخذوه [
سورة الحشر / 59 ، الآية : 7 ] .
و قال السمرقندي : يقال : أطيعوا الله في فرائضه ، و الرسول في سنته . و قيل :
أطيعوا الله فيما حرم عليكم ، و الرسول فيما بلغكم .
و يقال : أطيعوا الله بالشهادة له بالربوبية ، و النبي بالشهادة له بالنبوة .
حدثنا أبو محمد بن عتاب بقراءتي عليه ' حدثنا حاتم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن
علي بن محمد بن خلف ، حدثنا محمد بن أحمد ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا البخاري
، حدثنا عبدان ، أخبرنا عبد الله ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، أخبرني أبو سلمة
ابن عبد الرحمن ـ أنه سمع أبا هريرة يقول : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال : من أطاعني فقد أطاع الله ، و من عصاني فقد عصى الله ، و من أطاع أميري
فقد أطاعني ، و من عصى أميري فقد عصاني .
فطاعة الرسول من طاعة الله ، إذ الله أمر بطاعته ، فطاعته امتثال لما أم ر الله
به ، و طاعة له .
و قد حكى الله عن الكفار في دركات جهنم : يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا
ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ، فتمنوا طاعته حيث لاينفعهم التمني .
و قال صلى الله عليه و سلم : نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، و إذا أمرتكم بأمر فأتوا
منه ما استطعتم
و في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه و سلم : كل أمتي يدخلون
الجنة إلا من أبى .
قالوا : يارسول الله ، و من يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، و من عصاني فقد
أبى .
و في الحديث الأخر الصحيح ، عنه صلى الله عليه و سلم : مثلي و مثل ما بعثني
الله به كمثل رجل أتى قوماً ، فقال : يا قوم ، إني رأيت الجيش بعيني ، و إني
أنا النذير العريان ، فالنجاء ، فأطاعه طائفة من قومه ، فأدلجوا ، فانطلقوا ،
فانطلقوا على مهلهم فنجوا ، و كذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم ، الجيش
فأهلكهم و اجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني ، و اتبع ما جئت به ، و مثل من عصاني و
كذب ما جئت به من الحق .
و في الحديث الآخر في مثله : كمثل من بنى داراً و جعل فيها مأدبة ، و بعث
داعياً ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، و آكل من المأد بة ، و من لم يجب الداعي
لم يدخل الدار و لم يأكل من المأدبة ، فالدار الجنة ، و الداعي محمد صلى الله
عليه و سلم ، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله ، و من عصى محمداً فقد عصى الله ،
و محمد فرق بين الناس .
فصل
في وجوب اتباعه ، و امتثال أمره ، و الإقتداء بهديه
و أما وجوب اتباعه و امتثال سنته و الإقتداء بهديه ، فقد قال تعالى : قل إن
كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [ سورة آل عمران / 3 ،
الآية 31 ] .
و قال : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه
لعلكم تهتدون [ سورة الأعراف / 7 ، الآية : 158 ] .
و قال : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم
حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ، أي ينقادون لحكمك ، يقال : سلم ، واستسلم ، و
أسلم ، إذا انقاد .
و قال : لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول
فإن الله هو الغني الحميد [ سورة الممتحنة / 60 ، الآية : 6 ] .
قال محمد بن علي الترمذي : الأسوة في الرسول الإقتداء به و الاتباع لسنته ، و
ترك مخالفته في قول أو فعل .
و قال غير واحد من المفسرين بمعناه .
و قيل : هو عتاب للمتخلفين عنه .
و قال سهل ـ في قوله تعالى : صراط الذين أنعمت عليهم ـ قال : بمتابعة السنة ،
فأمرهم تعالى بذلك ، و وعدهم الإهداء باتباعه ، لأن الله تعالى أ رسله بالهدى و
دين الحق ليزكيهم الكتاب و الحكمة ، و يهديهم إلى صراط مستقيم ، و وعدهم محبته
تعالى في الآية الأخرى و مغفرته إذا اتبعوه ، و آثروه على أهوائهم ، و ما تجنح
إليه نفوسهم ، و أن صحة إيمانهم بانقيادهم له ، و رضاهم بحكمه ، و ترك الإعتراض
عليه .
و روى عن الحسن أن أقواماً قالو ا : يا رسول الله ، إنا نحب الله . فأنزل الله
تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله
غفور رحيم [ سورة آل عمران /3 ، الآية : 31 ] .
و روي أن الآية نزلت في كعب بن الأشرف و غيره ، و أنهم قالوا : نحن أبناء الله
و أحباؤه ، و نحن أشد حباً الله ، فانزل الله الآية .
و قال الزجاج : معناه إن كنتم تحبون الله أن تقصدوا طاعته ، فافعلوا ماأمركم به
، إذ محبة العبد الله و رسوله طاعته لهما ، و رضاه بما أمرا ، و محبة الله لهم
عفوه عنهم ، و إنعامه عليهم برحمته .
و يقال : الحب من الله عصمة و توفيق ، و من العباد طاعة ، كما قال القائل :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
و يقال : محبة العب د الله تعظيمه له و هيبته منه ، و محبة الله له رحمته له ،
و إرادته الجميل له ، و تكون بمعنى مدحه و ثنائه عليه .
قال القشيري : فإذا كان بمعنى الرحمة و الإرادة و المدح كان من صفات الذات .
و سيأتي بعد في ذكر محبة العبد غير هذا بحول الله تعالى .
حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر الفقيه ، قال : حدثنا أبو الأصبغ عيسى ابن سهل
، و حدثنا أبو الحسن يونس بن مغيث الفقيه بقراءتي عليه ، قالا : حدثنا حاتم بن
محمد ، قال : حدثنا أيو حفص الجهني ، حدثنا أبو بكر الآجري ، حدثنا إبراهيم بن
موسى الجوزي ، حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن ثور ، بن يزيد ،
عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأسلمي ، و حجر الكلاعي ، عن
العرباض بن سارية في حديثه في موعظة النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :
فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، و إياكم
و محدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، و كل بدعة ضلالة .
زاد في حديث جابر بمعناه : و كل ضلالة في النار .
و في حديث أبي رافع عنه صلى الله عليه و سلم : لا ألفين أحدكم متكئاً على
أريكته ، يأتيه الأمر من أمري ، مما أمرت به ، أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ،
ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه .
و في حديث عائشة رضي الله عنها : صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئاً ترخص
فيه فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم ، فحمد الله ، ثم قال
: ما بال قوم يتنزهون عن الشيءأصنعه ، فوالله إني لأعلمهم با الله ،و أشهدهم له
خشية .
و روى عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : القرآن صعب على من كرهه ، و هو الحكم
حدثنا فمن استمسك بحديثي و فهمه و حفظه جاء مع القرآن ، و من تهاون بالقرآن و
حديثي خسر الدنيا والآخرة ، أمرت أمتي أن يأخذوا بقولي ، و يطيعوا أمري ، و
يتبعوا سنتي ، فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن قال الله تعالى : وما آتاكم
الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب [ سورة
الحشر / 59 ، الآية : 7 ] .
و قال صلى الله عليه و سلم : من اقتدى بي فهو مني ، و من رغب عن سنتي فليس مني
.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : إن أحسن
الحديث كتاب الله ، و خير الهدي هدي محمد و شر الأمور محدثاتها .
و عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و
سلم : العلم ثلاثة : فما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة ، أو سنة قائمة ، أو
فريضة عادلة .
و عن الحسن بن أبي الحسن رضي الله عنه : قال صلى الله عليه و سلم : عمل قليل في
سنة خير من عمل كثير في بدعة .
و قال صلى الله عليه و سلم : إن الله تعالى يدخل العبد الجنة بالسنة تمسك بها .
و عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : المتمسك
بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد .
و قال صلى الله عليه و سلم : إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ، و
إن أمتي تفترق على ثلاث و سبعين ، كلها في النار إلا واحدة . قالوا : و من هم
يا رسول الله ؟ قال : الذي انا عليه اليوم و أصحابي .
و عن أنس قال صلى الله عليه و سلم : من أحيا سنتي فقد أحياني ،و من أحياني كان
معي في الجنة .
و عن عمرو بن عوف المزنى أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لبلال بن الحارث :
من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي ، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن
ينقص من أجورهم شيئاً ، ومن ابتدع بدعة ضلالة ترضي الله ورسوله كان عليه مثل
آثام من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً .
فصل
فيما و رد عن السلف و الأئمة من اتباع سنته
و الإقتداء بهديه و سيرته
و أما ما و رد عن السلف و الأئمة من اتباع سنته و افقتداء بهديه و سيرته ،
فحدثنا
الشيخ أبو عمر أن موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد الفقيه سماعاً عليه ، قال :
حدثنا
أبو عمر الحافظ ، حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، و وهب بن مسرة ،
قالا :
حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن رجل
من
آل خالد بن أسيد ـ أنه سأل عبد الله بن عمر ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ،أنا
نجد
صلاة الخوف تعالى و صلاة الحضر في القرآن ، و لا نجد صلاة السفر ؟ فقال ابن
عمر : يا بن أخي ، إن الله بعث إلينا محمداً صلى الله عليه و سلم ، و لا نعلم
شيئاً
، فإنما نفعل كما رأيناه نفعل
.
و قال عمر بن عبد العزيز : سن رسول الله صلى الله عليه و سلم و ولاة الأمر بعده
سنناً ، الأخذ بها تصديق بكتاب الله ، و استعمال بطاعة الله ، و قوة على دين
الله ،
ليس لأحد تغيرها و لا تبديلها و لا النظر في رأي من خالفها ، من اقتدى بها فهو
مهتد
، و من انتصر بها منصور ، و من خالفها و اتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما
تولى
، و أصل اه جهنم و ساءت مصيراً
.
و قال الحسن بن أبي الحسن : عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة
.
و قال ابن شهاب : بلغنا عن رجال من أهل العلم ، قالوا : الاعتصام بالسنة نجاة
.
و كتب عمر بن الخطاب إلى عماله بتعلم السنة و الفرائض و اللحن ، أي اللغة ، و
قال :
إن ناساً يجادلوكم ـ يعني بالقرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم
بكتاب
الله .
و في خبره ـ حين صلى بذي الحليفة ركعتين ، فقال : أصنع كما رأيت رسول الله صلى
الله
عليه و سلم يصنع
.
و عن علي ـ حين صلى فقال له عثمان : ترى أني انهي الناس عنه و تفعله ! قال : لم
أكن
أدع سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم لقول أحد من الناس
.
و عنه : ألا إني لست بنبي و لا يوحى إلي ، و لكني أعمل بكتاب الله و سنة محمد
صلى
الله عليه و سلم ما استطعت
.
و كان ابن مسعود يقول : القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة
.
و قال ابن عمر : صلاة السفر ركعتان ، من خالف السنة كفر
.
و قال أبي بن كعب : عليكم بالسبيل و السنة ، فإنه ما على الأرض من عبد على
السبيل و
السنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من خشية ربه ، فيعذبه الله أبداً ، و ما
على
الأرض من عبد على السبيل و السنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله
إلا
كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها ، فهي كذلك إذا أصابتها ريح شديدة ، فتحات
عنها
ورقها إلا حط الله خطاياه كما تحات عن الشجرة ورقها ، فإن اقتصاداً في سبيل و
سنة
خير من اجتهاد في خلاف سبيل و سنة ، و موافقة بدعة ، و انظروا أن يكون عملكم إن
كان
اجتهاداً و اقتصاداً أن يكون على منهاج الأنبياء و سنتهم
.
و كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إلى عمر بحال بلده ، و كثرة لصوصه ، هل
يأخذهم
بالظنة أو يحملهم على البينة و ما جرت عليه السنة ؟
فكتب إليه عمر : خذهم بالبينة و ما جرت عليه السنة ، فإن لم يصلحهم الحق فلا
أصلحهم
الله .
و عن عطاء ـ في قوله : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول : أي إلى
كتاب
الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم
.
و قال الشافعي : ليس في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا اتباعها
.
و قال عمر ـ و نظر إلى الحجر الأسود : إنك حجر لا تنفع و لا تضر ، و لولا
أني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبلك ما قبلتك ، ثم قبله
.
و رئي عبد الله بن عمر يدير ناقته في مكان ، فسئل عنه ، فقال : لا أدري إلا أني
رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فعله ، ففعلته
.
و قال أبو عثمان الحيري : من أمر السنة على نفسه قولاً و فعلاً نطق بالحكمة ، و
من
أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة
.
و قال سهل التستري : أصول مذهبنا ثلاثة : الاقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم
في
الأخلاق و الأفعال ، و الأكل من الحلال ، و إخلاص النية في جميع الأعمال
.
و جاء في تفسير قوله تعالى : والعمل الصالح يرفعه ـ إنه الاقتداء برسول الله
صلى
الله عليه و سلم
.
و حكي عن أحمد بن حنبل : قال : كنت يوماً مع جماعة تجردوا و دخلوا الماء ،
فاستعملت
الحديث من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر و لم أتجرد
،
فرأيت تلك الليلة قائلاً لي : يا أحمد أبشر ، فإن الله قد غفر لك باستعمالك
السنة ،
و جعلك إماماً يقتدى بك
.
قلت من أنت ؟ قال : جبريل
.
فصل
في أن مخالفة أمره و تبديل سنته ضلال
و مخالفة أمره و تبديل سنته ضلال و بدعة متوعد من الله تعالى عليه بالخذلان و
العذاب ، قال الله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو
يصيبهم عذاب أليم [ سورة النور 24 ، الآية : 63 ] .
و قال : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين
نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [ سورة النساء / 4 ، الآية : 115 ] .
حدثنا أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر ، و عبد الرحمن بن عتاب بقراءتي عليهما ،
قالا : حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، حدثنا أبو
الحسين بن مسرور الدباغ ، حدثنا أحمد بن أبي سليمان ، حدثنا سحنون ابن سعيد ،
حدثنا ابن القاسم ، حدثنا مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي
هريرة ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج إلى المقبرة ... و ذكر الحديث في
صفة أمته ، و فيه : فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، فأناديهم :
ألا هلم ، فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك . فأقول : فسحقاً ، فسحقاً ، فسحقاً .
و روى عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من رغب عن سنتي فليس مني .
و قال : من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد .
و روى ابن أبي رافع ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : لا ألفين
أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول
: لا أدري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه .
زاد في حديث المقدام : ألا و إن ما حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل ما
حرم الله .
و قال صلى الله عليه و سلم ـ : و جيء بكتاب في كتف ـ : كفى بقوم حمقاً ـ أو قال
: ضلالاً ـ أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى غير نبيهم ، أو كتاب غير كتابهم ،
فنزلت : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى
لقوم يؤمنون .
و قال صلى الله عليه و سلم : هلك المتنطعون .
و قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله
عليه و سلم يعمل به إلا عملت به ، إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ .