|

الحمد لله المتفرد باسمه الأسمى ، المختص بالملك الأعز الأحمى ، الذي ليس
دونه منتهى ، و لا وراءه مرمى ، الظاهر لا تخيلا و وهما ، الباطن تقدسا لا
عدماً ، وسع كل شيء رحمةً و علماً ، و أسبغ على أوليائه نعما عماً ، و بعث
فيهم رسولاً من أنفسهم عرباً و عجماً ، و أزكاهم محتداً و منمى ، و أرجحهم
عقلاً و حلماً ، و أوفرهم علماً و فهماً ، و أقواهم يقيناً و عزماً ، و
أشدهم بهم رأفة و رحمى ، و زكاه روحاً و جسماً ، وحاشاه عيباً و وصماً ، و
آتاه حكمة و حكماً ، و فتح به أعيناً عمياً ، و قلوباً غلفاً ، و آذاناً
صماً ، فآمن به و عزره ، و نصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسماً ، و
كذب به و صدف عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتماً ، و من كان في هذه
أعمى فهو في الآخرة أعمى . صلى الله عليه وسلم صلاةً تنمو و تنمى ، و على
آله و سلم تسليماً كثيراً .
أما بعد أشرق الله قلبي و قلبك بأنوار اليقين ، و لطف لي و لك بما لطف
لأوليائه المتقين ، الذين شرفه م الله بنزل قدسه ، و أوحشهم من الخليقة
بأنسه ، و خصهم من معرفته و مشاهدة عجائب ملكوته و آثار قدرته بما
ملأ قلوبهم حبرة ، و وله عقولهم في عظمته حيرة ، فجعلوا همهم به واحداً ، و
لم يروا في الدارين غيره مشاهدا ، فهم بمشاهدة جماله و جلاله يتنعمون ، و
بين آثار قدرته و عجائب عظمته يترددون ، و بالإنقطاع إليه و التوكل عليه
يتعززون ، لهجين بصادق قوله : قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( سورة
الأنعام / 6 : آية 91 ) .
فإنك كررت علي السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة
والسلام ، و ما يجب له من توقير و إكرام ، و ما حكم من لم يوف واجب عظيم
ذلك القدر ، أو قصر في حق منصبه الجليل قلامة ظفر ، و أن أجمع لك ما
لأسلافنا وأئمتنا في ذلك من مقال ، و أبينه بتنزيل صور و أمثال .
فاعلم _ أكرمك الله _ أنك حملتني من ذلك أمراً إمراً ، و أرهقتني فيما
ندبتني إليه عسراً ، و أرقيتني بما كلفتني مرتقى صعباً ، ملأ قلبي رعباً ،
فإن الكلام في ذلك يستدعي تقرير أصول و تحرير فصول ، و الكشف عن غوامض و
دقائق من علم الحقائق ، مما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم ويضاف إليه ، أو
يمتنع أو يجوز عليه ، و معرفة النبي و الرسول ، و الرسالة و النبوة ، و
المحبة و الخلة ، و خصائص هذه الدرجة العلية ، و ها هنا مهامه فيح تحار
فيها القطا ، و تقصر بها الخطا ، و مجاهل تضل فيها الأحلام إن لم تهتد بعلم
علم و نظر سديد ، و مداحض تزل بها الأقدام ،إن لم تعتمد على توفيق من الله
وتأييد .
لكني لما رجوته لي و لك في هذا السؤال و الجواب من نوال و ثواب ، بتعريف
قدره الجسيم ، و خلقه العظيم ، و بيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق ،
و ما يدان الله تعالى به من حقه الذي هو أرفع الحقوق ، ليستيقن الذين أوتوا
الكتاب ، و يزداد الذين آمنوا إيماناً ، و لما أخذ الله تعالى على الذين
أوتوا الكتاب ليبيننه للناس و لا يكتمونه .
و لما حدثنا به أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه ، قال : حدثنا
الحسين ابن محمد ، حدثنا أبو عمر النمري حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن ،
حدثنا أبو بكر محمد ابن بكر ، حدثنا سليمان بن الأشعث ، حدثنا موسى بن
اسماعيل ، حدثنا حماد ، حدثنا علي بن الحكم ، عن عطاء ، عن أبي هريرة رضي
الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من سئل عن علم فكتمه ألجمه
الله بلجام من نار يوم القيامة .
فبادرت إلى نكت مسفرة عن وجه الغرض ، مؤدياً من ذلك الحق المفترض ، اختلسها
على استعجال ، لما المرء بصدده من شغل البدن و البال ، بما طوقه من مقاليد
المحنة التي ابتلى بها ، فكادت تشغل عن كل فرض و نفل ، و ترد بعد حسن
التقويم إلى أسفل سفل ، و لو أراد الله بالإنسان خيراً لجعل شغله و همه كله
فيما يحمد غداً أو يذم محله ، فليس ثم سوى حضرة النعيم ، أو عذاب الجحيم ،
و لكان عليه بخويصته ، و استنفاذ مهجته و عمل صالح يستزيده ، و علم نافع
يفيده أو يستفيده .
جبر الله صدع قلوبنا ، و غفر عظيم ذنوبنا ، و جعل جميع استعدادنا
لمعادنا ، و توفر دواعينا فيما ينجينا و يقربنا إليه زلفة ، و يحظينا بمنه
و كرمه و رحمته .
و لما نويت تقريبه ، و درجت تبويبه ، و مهدت تأصيله ، و خلصت تفصيله ، و
انتحيت حصره و تحصيله ، ترجمته ب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، و حصرت
الكلام فيه في أقسام أربعة :
القسم الأول : في تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولاً و فعلاً ، و
توجه الكلام فيه في أربعة أبواب :
الباب الأول : في ثنائه تعالى عليه ، و اظهاره عظيم قدره لديه ، و فيه عشرة
فصول .
الباب الثاني : في تكميله تعال ى له المحاسن خلقاً و خلقاً ، قرانه جميع
الفضائل الدينية و الدنيوية فيه نسقاً ، و فيه سبعة و عشرون فصلاً .
الباب الثالث : فيما ورد من صحيح الأخبار و مشهورها بعظيم قدره عند
ربه و منزلته ، و ما خصه به في الدارين من كرامته ، و فيه اثنا عشر فصلاً .
الباب الرابع : فيما أظهره الله تعالى على يديه من الآيات و المعجزات ، و
شرفه به من الخصائص و الكرامات ، و فيه ثلاثون فصـل .
القسم الثاني : فيما يجب على الأنام من حقوقه عليه السلام ، و يترتب القول
فيه في أربعة أبواب :
الباب الأول : في فرض الإيمان به و وجوب طاعته و اتباع سنته ، و فيه خمسة
فصول .
الباب الثاني : في لزوم محبته و منا صحته ، و فيه ستة فصول .
الباب الثالث : في تعظيم أمره و لزوم توقيره و بره ، و فيه سبعة فصول .
الباب الرابع : في حكم الصلاة عليه و التسليم و فرض ذلك و فضيلته ، و فيه
عشرة فصول .
القسم الثالث : ـ فيما يستحيل في حقه ، و ما يجوز عليه شرعاً ، و ما يمتنع
و يصح من الأمور البشرية أن يضاف إليه .
و هذا القسم ـ أكرمك الله ـ هو سر الكتاب ، و لباب ثمرة هذه الأبواب ، و ما
قبله له كالقواعد و التمهيدات و الدلائل على ما ن ورده فيه من النكت
البينات ، و هو الحاكم على ما بعده ، و المنجز من غرض هذا التأليف و عده ،
و عند التقصي لموعدته ، و التفصي عن عهدته ، يشرق صدر العدو اللعين ، و
يشرق قلب المؤمن باليقين ، و تملأ أنواره جوانح صدره و يقدر العاقل النبي
حق قدره . و يتحرر الكلام فيه في بابين :
الباب الأول : فيما يختص بالأمور الدينية ، و يتشبث به القول في العصمة و
فيه ستة عشر فصلاً .
الباب الثاني : في أحواله الدنيوية ، و ما يجوز طروءه عليه من الأعراض
البشرية،و فيه تسعة فصول.
القسم الرابع : في تصرف وجوه الأحكام على من تنقصه أو سبه صلى الله عليه و
سلم و ينقسم الكلام فيه في بابين :
الباب الأول : في بيان ما هو في حقه سب و نقص ، من تعريض ، أو نص ، و فيه
عشرة فصول .
الباب الثاني : في حكم شانئه و مؤذيه و متنقصه و عقوبته ، و ذكر استتابته ،
و الصلاة عليه و وراثته ، و فهي عشرة فصول .
و ختمناه بباب ثالث جعلناه تكملة لهذه المسألة ، و وصلة للبابين
اللذين قبله في حكم من سب الله تعالى و رسله و ملائكته و كتبه ، و آل النبي
رسول الله صلى الله عليه وسلم و صحبه .
و اختصر الكلام فيه في خمسة فصول ، و بتمامها ينتجز الكتاب ، و تتم الأقسام
و الأبواب ، و تلوح في غرة الإيمان لمعة منيرة ، و في تاج التراجم درة
خطيرة ، تزيح كل لبس ، و توضح كل تخمين و حدس ، و تشفي صدور قوم مؤمنين ، و
تصدع بالحق ، و تعرض عن الجاهلين ،
و با لله تعالى ـ لا إله سواه ـ أستعين .
عــودة
|